خطر معرفة نصف معلومة وبثها بين الناس
نشر هذا الأخ الأزهري منشورا ليوهم الناس أنه أخطأ فيه ثم يفاجئهم بجهلهم ويخبرهم عن حقيقة الأمر، فقال ((ومن المتفق عليه بين العلماء أن المرأة إذا ضحكت بطل صومها)) ويقصد بذلك (ضحكت أي حاضت) وهو ما توقعته منه بادئ الأمر ثم دخلت إلى تعليقاته فوجدته قال (ضحكت أي حاضت) وقد جاء بأصل المسألة من تفسير قول الله عز وجل ((وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)) على أن تفسير (فضحكت) أي حاضت، ثم عمم ذلك فقال (أن المرأة إذا ضحكت بطل صومها).
#قلت_صهيب:
#أولا: لفظ "ضحكت" إن كان يتحمّل معنى "حاضت" فلا أقل من الحكم عليه بالإجمال ومخاطبة الناس باللفظ المجمل فيه مفسدة دعوية وليس فيه أدنى حكمة سوى الافتخار بالمعلومة (ليظنوا أنه أخطأ ثم يفاجئهم بعلمه بهذه المعلومة) وإلا فما كان يعيبه لو قال (حاضت من البداية) أو شرح معناها في المنشور على الأقل.
#ثانيا: تفسير (فضحكت) على أنها حاضت هو أحد الأقوال التي قيلت في التفسير وليس التفسير الوحيد للآية وليس هناك إجماع على تفسيرها بذلك ولا حتى يوجد إجماع على أن حاضت من معاني (ضحكت) من الأساس، لذلك فإن قوله (من المتفق عليه بين العلماء أن المرأة إذا ضحكت أبطل صومها) قول غير صحيح إذ العلماء متفقون على بطلان صومها بالحيض لا الضحك، وليس الضحك عند كل العلماء هو الحيظ، فالعلماء لم يجمعوا على هذا اللفظ وإنما أجمعوا على لفظ الحيض، فإن كان منهم من يراهما بنفس المعنى فإن ذلك ليس محل إجماع، وإن قال قصدت إجماعهم على المعنى لا اللفظ، قلنا لماذا جئت باللفظ المختلف فيه وادعيت فيه الإجماع وتركت اللفظ المتنازع عليه مما يوهم الناس أن لفظ الضحك يدل على لفظ الحيض بالإجماع، ومما يقودهم إلى اعتقاد إجماع العلماء على صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح بغير دليل مرجّح وهذه مغالطة أصولية خطيرة.
#ثالثا: أقوال العلماء في تفسير هذه الآية؟ أستقي من كلام الطبري أقوال العلماء فيها
قال الإمام الطبري: ((وقوله: (فضحكت) ، اختلف أهل التأويل في معنى قوله (فضحكت)، وفي السبب الذي من أجله ضحكت)).
1 _ القول الأول: قال الطبري: ((فقال بعضهم: ضحكت الضحك المعروف ، تعجبًا من أنَّها وزوجها إبراهيم يخدمان ضِيفانهم بأنفسهما ، تكرمةً لهم، وهم عن طعامهم ممسكون لا يأكلون)) ثم ذكر من قال ذلك (السدّي فقال: فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ، يقول: لا يأكلون ، فزع منهم وأوجس منهم خيفة ، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمةً لهم، وهم لا يأكلون طعامنا).
2 _ القول الثاني: قال الطبري ((وقال آخرون: بل ضحكت من أن قوم لوط في غَفْلة وقد جاءت رُسُل الله لهلاكهم)) ثم ذكر من قال ذلك (قتادة فقال: لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه، فضحكت امرأته وعجبت من أن قومًا أتاهم العذاب ، وهم في غفلة. فضحكت من ذلك وعجبت ، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ). قلت صهيب: وهذا القول هو الذي رجّحه الإمام الطبري بعد الانتهاء من سرده كل الأقوال.
3 _ القول الثالث: قال الطبري ((وقال آخرون: بل ضحكت ظنًّا منها بهم أنهم يريدون عَمَل قوم لوط)) وذكر من قال ذلك (محمد بن قيس فقال: لما جاءت الملائكة ظنَّت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط) قلت صهيب: وهذا الرأي بعيد، إذ امرأة إبراهيم عليه السلام صالحة ليست ممن يضحكها عمل قوم لوط بل مما يثير غضبها، وأن الملائكة إذا قدمت لم يُرَ في سماهم مثل هذا الشر وإن ظهروا على هيئة بشر، وأن فاحشة قوم لوط لم تكن منتشرة حيث إبراهيم عليه السلام، وإنما كانت في قوم لوط.
4 _ القول الرابع: قال الطبري ((بل ضحكت لما رأت بزوجها إبراهيم من الرَّوع)) وذكر من قال بذلك (الكلبي قال: ضحكت حين راعُوا إبراهيم مما رأت من الروع، بإبراهيم) قلت صهيب: وهذا قول بعيد أيضا إذ كيف يُروّع إبراهيم عليه السلام وتضحك زوجته من ذلك ولا يروعها ما روعه إلا إن كانت أعلم منه بحال الملائكة فتكشف حقيقتهم ولا يكشفهم أو كانت أشجع وأبصر منه وهذا بعيد ما كان ينبغي لنبي أن يكون أقل حلما ولا شجاعة من غير نبي.
5 _ القول الخامس: قال الطبري ((وقال آخرون: بل ضحكت حين بشرت بإسحاق تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها)) وهو قول وهب بن منبه، قلت صهيب: وهذا القول قريب جدا، إذ من عادة النساء عدم الاهتمام إلا بما يعنيهنّ وهذا الرأي أقرب لاهتمام المرأة، أي أنها ضحكت عجبا من قولهم إما لأنها لم تصدقهم وإما لأنها ظنتهم يمزحون وهي لا تعلم أنهم من الملائكة.
6 _ القول السادس: قال الطبري ((وقد قال بعض من كان يتأول هذا التأويل: إن هذا من المقدَّم الذي معناه التأخير، كأنّ معنى الكلام عنده: وامرأته قائمة، فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت وقالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز؟)) قلت صهيب: وهذا القول أيضا محتمل فيكون من باب التأخير والتقديم في الترتيب الزمني وهو جائز في القرآن.
7 _ القول السابع: ثم قال الطبري ((وقال آخرون: بل معنى قوله: " فضحكت " في هذا الموضع: فحاضت)) وذكر من قال ذلك (مجاهد) قلت صهيب: وهذا هو القول الذي تشبث به الأخ صاحب المنشور وعممه وكأنه القول الوحيد المذكور في المسألة، وهو تأويل بعيد جدا وإن كان محتملا، إذ السياق لا يدل عليه أبدا، فكيف كانت سارة زوجة إبراهيم عليه السلام تخدم ضيوفها الملائكة وهي قائمة وهو جالس ويقدمون لهم الطعام وأولئك لا يأكلون ثم فجأة (فحاضت فبشرناها بإسحاق) ؟ إن كان للدلالة على أنها حاضت من بعد يأس (أي صارت قابلة للإنجاب) فإن إنجابها وقع بمعجزة وما كان بمعجزة لا يشترط فيه ذكر هذه التفاصيل خاصة واللفظ لا يدل ظاهره على هذا المعنى بل من أهل العربية من لا يرى من معاني الضحك الحيض أصلا، قال الطبري ((وقد كان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أنه لم يسمع " ضحكت "، بمعنى : حاضت ، من ثقة)) أي أن هذه الإشاعة كانت رائجة يسمعون بها ولكن من المتخصصين في اللغة العربية من ذكر عدم سماع هذه الترجمة من أي ثقة، أي أنها تُقال على بعض ألسن غير المتخصصين أو غير الموثوق بهم، ثم قال الطبري ((وذكر بعض أهل العربية من البصريين أن بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم أن العرب تقول " ضحكت المرأة "، حاضت . قال: وقد قال: " الضحك "، الحيض، وقد قال بعضهم: " الضحك ": الثَّغْرُ)) وواصل تفصيل الأمر ليجد له أصلا في اللغة، إلا أنه بعيد جدا، وقال بعض أصحاب أبي ذؤيب ((وَضِحْــكُ الأرَانِــبِ فَـوْقَ الصَّفَـا
كَمِثْــل دَمِ الجَــوْفِ يَــوْمَ اللِّقَـا)) فأوردوا الضحك بمعنى الحيض، إذ الأرانب تحيض وقد شرحوا ذلك بقولهم (كمثل دم) وهذا مقبول إذ من اللغة السليمة للعرب أنه إذا ذُكر لفظ مجمل أو مؤول ذكروا في سياقه ما يصرفه عن ظاهره إلى معناه المرجوح حتى يكون الكلام واضحا ولا يختلط على الناس.
8 _ القول الثامن: قال الطبري ((وقال آخرون: بل ضحكت سرورًا بالأمن منهم، لما قالوا لإبراهيم: لا تخف، وذلك أنه قد كان خافهم وخافتهم أيضًا كما خافهم إبراهيم . فلما أمِنَت ضحكت، فأتبعوها البشارة بإسحاق.)) قلت صهيب: وهذا القول منطقي أيضا، وهو معارض للقول الذي جعلها تضحك من روع إبراهيم، ففي هذا القول خافت كما خاف وهذا الذي يليق، إذ كيف يخاف نبي الله ولا تخاف هي ؟
#رابعا: لو سلمنا جدلا بأن من معاني الضحك الحيض وأن المعنى مساوٍ في قوة رجحانه لمعناه الظاهر المعروف فلا يصح القول (أن المرأة إذا ضحكت بطل صومها) لأن إطلاق الحكم بلفظ مجمل من غير تفصيل وفي سياق لا يدل على ترجيح أي معنى معناه بطلان صوم المرأة إن ضحكت على أي معنى من معاني الضحك كانت (سواء كان الضحك المعروف الذي يكون بانفتاح الفم عند الفرح بدرجة تفوق درجة التبسّم أو بمعنى الحيض) فيكون معنى الفتوى أن كلا من الضحك بانفتاح الفم والضحك بالحيض يوجبان إبطال الصوم وهذه فتوى باطلة بلا شك.
#خامسا: لنفترض جدلا وقد نزلنا إلى أسفل ما يمكننا النزول إليه من التسليم الجدلي أن فتوى هذا الأخ بهذا الإطلاق صحيحة من غير ما أي عيب ونقد، ولنسلم جدلا بعدم ذكرنا لأي كلام سبق ذكره في النقاط الأربعة الأولى: ألا يتفق معنا أن هناك أناسٌ سيفهمون من الضحك معناه المعروف وقد يقلدونه في فتواه ويجعلون الضحك مفطرا للمرأة ؟ وبعضهم قد يحسب ذلك من قول الدين فقد يتأثر ويشك في الإسلام وقد يلحد ويخرج منه لظنه أن الإسلام يغرق في التضييق على المرأة وإهانتها ؟ إذ لماذا يبطل صومها لضحكها ولا يبطل لضحك الرجل ؟ أليس الأولى. مخاطبة الناس بما يعقلون حتى لا يكون في الكلام فتنة لهم ؟
#الخلاصة: قد أحببت التعليق على هذه الظاهرة دون قصد الإساءة لشخص القائل فإني لا أعرفه وقد طمست اسمه حتى لا يكون الرد مشخصنا، كما أن هذا الشخص غير معروف ولم يصل كلامه لكثير من الناس مما يعني عدم معرفة الناس له إن أخفيت اسمه.
كتبه #صهيب_بوزيدي

