حوارٌ حول محورية العقل ابستمولوجيا
ُقال لي: كيف تثق بعقلك وهو غير تام ومخلوق وغير معصوم ؟
فقلت للسائل: ما هو التصنيف المعرفي لسؤالك هذا ؟ أهو سؤال عقلي أم حسّي أم خبري ؟
فقال: هذا سؤال عقلي.
فقلت له: كما وثقت بعقلك عند طرحه لهذا السؤال كذلك أثق بعقلي عند استعماله.
فقال: لكني كيف تقدّم عقلك على الكتاب والسنة ؟
فقلت: هذا كذبٌ علي. أين قلت هذا ؟
فقال: أولستَ تقول بأن العقل حاكمٌ على الحس والخبر.
قلت: بلى
قال: أوليس الكتاب والسنة من الخبر ؟
قلت: بلى.
قال: أفلا يلزم من قولك أن العقل حاكم على الكتاب والسنة ؟
قلت: بلى.
قال: أفلا يكون حاكما عليهما إلا إن كان مقدّمًا عليهما ؟
قلت: أتقصد بالتقديم والتأخير الترتيب الابستمولوجي في ترتيب المقدّمات أم تقصد بالتقديم الاختيار المقابل للرد في محموله ؟
قال: وما الفرق بينهما ؟
قلت: أما التقديم في الترتيب الابستمولوجي فليس تقديم تعارضٍ أو مكانة وإنما هو تقديم لمعرفة المراحل التي نمر بها أثناء الاستدلال، فلا يمكن قبول النص المنقول إلا بعد أن يقرر العقل أن النقل مصدر للمعرفة، ثم يقرر أن هذا النوع من المنقولات تحديدا خبر صادق يفيد العلم، ثم بعدها يحاول العقل فهم هذا المنقول ثم يطبق عليه القواعد العقلية التي تُدرس في أصول الفقه وبعدها يستنبط منه قاعدة شرعية أو حكما شرعيا، وذلك الحكم قد يقيس عليه حكما شرعيا آخرَ متواطئا معه في علّته الكلّية، وإن جاء مشكك في ذاك المنقول وطرح شبهات معينة فإن العقل هو الذي يرد عليها بالبراهين المقنعة لغيره، أفبعد هذا تستغرب من وظيفة العقل ودوره ؟ أفلا تعلم أنك لو أبطلت دور العقل لحكمتَ باستحالة المعرفة من أساسها ؟
قال: لكن الذي يفهم من قولك بأن العقل حاكم على النقل، أن القرآن لو ورد فيه أمرٌ وكان مخالفا للعقل فمن حقه أن يردّه ويقول هذا لم يقنعني.
قلت له: افتراضك خاطئ ولا ينبغي أن يصدر من مسلم أو مؤمن، أفتفترض بكل جدية أنه يمكن وجود أي مسألة في القرآن تخالف العقل المجرد ؟ بمعنى هل توجد أي مسألة وردت في القرآن يمكن أن تخالف الاستدلالات العقلية الصحيحة المبنية على مقدمات ونتائج متلازمة ومتسلسلة ؟
قال: قد تخالف عقل شخص ما لقصر تفكيره وخلل فيه.
قلت: فعندها لا يُقال خالفت المسألة الشرعية العقل وإنما نقول بأن عقل ذلك الشخص نفسه هو الذي خالف العقل الصحيح فالمشكلة فيه لا في النقل.
قال: إن ورد نص واضح في القرآن وكان مخالفا لعقلك أيهما تقدّم ؟
قلت: إن كنت تسأل عن عقلي فلم يرد أي نص في القرآن يخالفه، وذلك لأنه من التناقض أن يحكم عقلي على هذا القرآن بالصحة والعصمة ثم يعود ليناقض نفسه فيردّ بعضه وقد قبله كلّه.
قال: لماذا جعلت العقل مصدرا للمعرفة ولم تجعله آلة للمعرفة ؟ قلت: العقل آلة للمعرفة بلا شك، ولكن هذه الآلة تعمل وفقا لمعلومات عقلية ليست حسية ولا نقلية كمبدأ عدم التناقض وما يتفرع عنه من قاعدة الثالث المرفوع وامتناع الدور السبقي القبلي وجواز الدور المعي الاقتراني وقياس المتعينات على الكلّيات والتمثيل في تواطؤ التشكيك ومبدأ السببية والعلّية والاعتماد على الشعور والحدس والفراسة والغريزة وغير ذلك من الأمور التي لا يمكن أن تصنف على أنها حسّية ولا نقلية ولكن العقل في نفس الوقت يعمل بارتباط مع مصدري الحس والخبر، فلولا الحسّ لما أمكن للعقل أن يوجد أصلا لأن صاحب هذا العقل هو العاقل المحسوس.
#الخلاصة: العقل هو الذي يدافع عن صحة ثبوت الكتاب والسنة وهو الذي يفهم دلالتهما وهو الذي يثبت للملحد وجود الله بالأدلة العقلية وهو الذي يقدر على إقناع غير المسلم بالإسلام، فوجب على أعداء العقل أن يتوقفوا عن محاربته متوهمين معارضته للصحيح من النقل إلا إن كانوا لا يثقون بصحة المنقول من الوحي فيتوهمون معارضته للصحيح من العقل فعندها وجب عليهم مراجعة قوة إيمانهم أولا.
كتبه #صهيب_بوزيدي
