براءة الإمام مالك من قول كفري نُسب إليه
#القول_الكفري:
في سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمته للأعمش ذكر بعض رواياته فقال: ((حدثنا محمد بن يزيد ، أخبرنا أبو بكر ، عن الأعمش ، قال : خرج مالك إلى متنزه له ، فمطرت السماء ، فرفع رأسه ، فقال : لئن لم تكف لأوذينك . قال : فأمسك المطر . فقيل له : أي شيء أردت أن تصنع ؟ قال : أن لا أدع من يوحده إلا قتلته . فعلمت أن الله يحفظ عبده المؤمن)) [سير أعلام النبلاء 6/231]
قلت صهيب: لو ثبت هذا الكلام عن الإمام مالك لكان كافرا بالإجماع، إذ كيف يقول لله عز وجل ((لئن لم تكف لأوذينك؟)) ثم يسأل ما أردت أن تصنع _ أي ماذا كنت صانعا لو لم يمسك المطر _ فيقول ((أن لا أدع من يوحده إلا قتلته)) فيضيف إلى الكفر الإجرام والبراءة من الإسلام باللفظ الصريح، إذ لو كان ممن يوحد الله لقتل نفسه أولا، فمعنى كلامه أنه لا يوحد الله وإنما يريد قتل كل موحد وهو ليس منهم، كما أنه تكلم بوقاحة مع الله يهدده ويتوعد ويحسب نفسه بالفعل قادرا على أذيته، فهل يُعقل أن يكون هذا الكلام الباطل من كلام الإمام مالك إمام دار الهجرة ؟ حاشاه، بل إن هذا الكلام لا يقوله إلا من كان في مثل طغيان فرعون وأشد.
#ببان_الخلط: وردت هذه الرواية في مصادر أخرى بنفس هذا السند إلا أنه لم يذكر فيها (الإمام مالك) بل ذكر (ملك من الملوك) فيكون الخطأ في التصحيف والكتابة بسبب سهو النساخ إما في المخطوط أو المطبوع فبدل أن يكتب الناسخ (خرج ملك) كتب (خرج مالك) فالأولى تشير إلى المَلك والثانية إلى مالك فإن أطلق لفظه أريد به الأشهر وهو الإمام مالك، كما لو أطلق لفظ (البخاري) فإن الأذهان تنصرف لصحاب الصحيح ولن تنصرف لكل شخص من بخارى أو اسمه البخاري.
حدثنا محمد بن يزيد نا أبو بكر بن عياش عن الأعمش قال(خرج ملك من الملوك إلى متنزه له فمطرت السماء فرفع رأسه فقال لئن لم تكف لأوذينك فأمسك المطر ....وأكمل الرواية بنفس اللفظ) [أخرجه البغوي في الجعديات] والذهبي رواه عن هذا الكتاب فالأصل مخالف للمنقول عنه، وكذلك [أخرجه أبو نعيم في الحلية] بنفس اللفظ من طريق البغوي نفسه، وأصله الذي أخذه منه البغوي مسند ابن الجعد.
#الشاهد: قد برئت ساحة الإمام مالك من هذا الكلام الكفري، وليس مثل الإمام مالك من يقول هذا وهو الذي روي عنه أنه كان يروي حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم فاقتربت منه عقربٌ فلدغته ولم يرد القيام من مقامه وهو يروي حديث رسول الله احتراما له، فكيف بمن يسمح للعقرب أن تلدغه لمجرد احترام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بهذه الجرأة والوقاحة على الله عز وجل ؟
قال عبد الله بن المبارك: ((كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلدغته عقرب بست عشرة مرة ومالك يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من المجلس وتفرق الناس قلت: "يا أبا عبد الله، لقد رأيت اليوم منك عجباً؟"، فقال: "نعم، إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم")) [الديباج المذهب لابن فرحون].
ثم إن الأقرب إلى المنطق أن الملك هو الذي يظن في نفسه القدرة على قتل عباد الله بهذه الكمية الهائلة أما الإمام مالك فحتى ولو أراد قتل كل المسلمين فلن يقدر على ذلك، إذ ليست له قوة ولا مكانة عند المسلمين إلا لخدمته للإسلام فإن انقلب عدوا للإسلام لم تعد له أي سلطة أو قوة عليهم
#تعليقا_على_الرواية_نفسها:
هذه الرواية مع تصحيح الخطأ فيها وبيان حقيقة القائل وهو ملكٌ من الملوك فيها بعض النكارة إن لم تكن في القصة ففيما استنتج منها:
1 _ لم يُذكر اسم هذا الملِك فالإحالة هنا إلى مجهول ولا ندري أهو ملك معاصر للأعمش الذي حكى الرواية أم غير معاصر له، فإن كان معاصرا له فلم يكن يحكمهم من يقول مثل هذا القول أمام الناس والأعمش عاصر أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية ولم يكن بالإمكان لأي ملكٍ في ذلك العصر أن يتجرأ بهذا الكفر أمام العامة حتى وإن كان ممن يخفي الكفر في قلبه، وذلك لأنه لو أعلن عن كفره لأباح للمسلمين الخروج عليه وإزالته عن ملكه، بل بغض النظر عن الكفر، مجرد نيته في قتل المسلمين جميعا وهو ملكٌ عليهم مستحيلة إذ جنوده ووزراؤه وقضاته وعامة شعبه مسلمون فبِمن يقضي عليهم ؟ وإن كان الملك المقصود غير معاصر للأعمش فالرواية فيها انقطاع واضح في السند إذ هي مرسلة والله أعلم من سقط في إرسالها، وأما إن كان المقصود ملكا معاصرا لهم من غير المسلمين، فقد كان عصرهم عصر قوة ولم يكن بإمكان أي مملكة أخرى الإطاحة بهم وقد كانت حدود الإسلام آنذاك تمتد من الصين والهند شرقا إلى فرنسا غربا، ومن بلاد القوقاز والأناضول وسواحل إيطاليا شمالا إلى أرض الحبشة وغابات إفريقيا جنوبا، فمن ذا الذي يتجرأ على قتل كل هؤلاء وعندهم هذه الدولة العظيمة المتامسكة ؟
2 _ الوجه الثاني أن الرواية أظهرت الله في صورة الضعيف الخائف إذ أوقف مطره استجابة لهذا التهديد والأغرب تعليق الأعمش عليها فيما نسب إليه قوله ((فعلمت أن الله يحفظ عبده المؤمن)) وكأن الله لم يجد طريقة يحمي بها عباده المؤمنين من الإبادة الكاملة إلا من خلال إيقاف المطر والاستجابة لتهديد هذا الك.افر الذي يتحدى الله ويهدده، أما كان قادرا على قبض روحه وبذلك يمنعه عن قتلهم بدل أن يكون حرصه على المؤمنين بهذا الشكل الذي يشوه صورته ويظهره بمظهر الضعيف والعياذ بالله ؟ لو قيل إن الله أمسك المطر ليزيد هذا الظالم في طغيانه ويكون من الاختبار والابتلاء كما في الروايات عن يأجوج ومأجوح يرسلون حرابهم في السماء فتعود إليهم مخضبة بالدماء ليوهمهم الله أنهم فعلا قدروا على أهل السماء فيزيدهم في غرورهم ويمدهم في طغيانهم من باب فتنتهم حتى يتمادوا أكثر فيفعلوا ما يستحقون به عقابا وعذابا أكبر، وليبتلي بهم عبادا مؤمنين وغير ذلك، أو يقال إن السماء توقفت عن المطر تزامنا مع كلام ذاك الملك ليس استجابة لتحديه وإنما لأنها كانت لتتوقف سواء قال ما قاله أم لم يقله وصادف كلامه توقيت توقفها، أما أن يوقف الله المطر خوفا من تهديده فهذا الكلام باطل في حق الله.
#العبرة_من_هذا_المقال_كله: حتى يترك بعض الناس التعامل مع المنقول بهذه السطحية والسذاجة فيجعلون كل ما ورد في الكتب قطعيا لا شك فيه، ويحتجون بكل قول وكأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من أي جهة، ويعلموا أن الكتب قد تقع فيها أخطاء النساخ وأحيانا بعض الدس والتحريف فليس كل ما ورد عن عالم من العلماء يكون بالضرورة قد قاله.
كتبه #صهيب_بوزيدي
