المتواضع المغرور
لم أقل يوما فيما أذكرُ لشخصٍ إني متواضع معك ولا قلتُ لشخص إني لا أتكبّر عليك
وذلك لأني أعتقد حسب وجهة نظري أن مجرد قول هذه العبارة لشخصٍ ما دون سبب فإنها تعني التكبر عليه.
عندما تقول له (لقد تواضعتُ معك) فمعنى ذلك أنك ترى مجرد التعامل معه تواضعا ونزولا إليه (مما يعني أنك بالفعل تكبرت عليه في نفس العبارة).
اللهم إلا إن كان المبادر إلى الاتهام كأن يقول (لماذا تتكبر علي) فأقول (لم أتكبر عليك) فيكون هذا من باب نفي التهمة أو يتجاوز هو علي أو يبادر إلى التكبّر أة التطاول فأقول له (لقد تواضعت معك فإذا بك تتجاوز حد الأدب) وذلك لأن التواضع مع المتكبر ذلٌّ وإهانة وليس تواضعا.
لكني لا أبادر أبدا لقول هذه العبارة من غير سببٍ أو داعٍ.
#الأهم_من_ذلك: أني حتى بيني وبين نفسي لا أشعُرُ بأن من تُقطع علاقته معي فقد خسرَ شيئا في حياته فلست من الذين يقولون عند الفراق مع شخص معين (هو الخاسر) أو (لقد خسرني) ولا ممن يهددون بقطع العلاقة مع الآخرين (كأني أرى قطع العلاقة معهم قطعا للأكسجين عنهم) بل أرى أن وجودي في حياة الناس كعدمه.
قد يراني كثير من الذين يعرفونني عن بعد أو قربٍ أسرعَ الناس لقطع العلاقات وقد يستغربون كيف أجمع بين ما قلتُه الآن وما أفعله فأقول: إني لا أقطعُ العلاقة مع الناس لأني أراه عقابا مني لهم بل لكي أريحهم مني وأريح نفسي منهم، فمن يتجاوز علي أو يتصرف تصرفا أرى من خلاله أن وجودي في حياته يزعجه فإني أقطع العلاقة معه فورا بلا رجعة حتى لا يستمر إزعاجي له، وكذلك من كان مقربا مني ثم أحسستُ أنه يريد إخباري بأنه لم يرَ مني خيرا قط فإني أقطع علاقتي معه لأنه أكد لي بقوله هذا أن لا حاجة له بي، لن أمنّ عليه ولن أنطق بكلمة ولن أقول ألم أفعل معك كذا وكذا أو أنسيت كذا وكذا، سأبتلع كل شيء وأقطع العلاقة دون مجادلته فيما قاله فقد تعودتُ على كثرة اصطدامي بالجاحدين في حياتي حتى صار الأمر مألوفا، بل إني صرت أستغرب إن صادفتُ الشكور الذي يقبل الخير وصار هو الاستثناء لا الأصل.
بقيت نقطة: من يخالطني قد يسمعني أصف نفسي بأوصاف إيجابية في بعض المواقف فيحسب ذلك علي غرورا.
ببساطة أستطيع أن ألعب دور المتواضع هنا وأكسب المزيد من الثناء ولكني أراه نوعا من أنواع الرياء أو النفاق.
لا أستطيع أن أقول عن نفسي (أنا أغبى الناس) وأنا أعتقد في نفسي الذكاء ولا أستطيع أن أصف نفسي بالجهل في مجالٍ أعلمُ أني لو فعلتُ ذلك لكنتُ كاذبا ومغالطا لنفسي.
هناك من يعلم أن الناس يصفونه بالعالم أو العبقري ثم يقول لهم (يا جماعة أنا لا أساوي في العلم بعرة بعير) أو (يا جماعة اعذروني على بضاعتي القليلة وفهمي الثقيل) وهو يعلم أن الناس إن سمعوا كلامه لن يأخذوه على المعنى الذي قاله ولن يقول أحد منهم (آاااه حسبناك عالما وإذا بك تعترف بجهلك لذا سنبحث عن عالم غيرك) هو يعلم أنهم سيقولون (ما شاء الله، عالمٌ ومتواضع) أو سينشرون مقطعه ليستدلوا به على تواضعه تحت عنوان (تواضع العلماء الربانيين).
عن نفسي أرى أن هذا مجرد استغباءٍ للناس ولعبٌ على عواطفهم.
أفضّل أن أصف نفسي بما أنا مقتنع به حتى إذا سمعني الناس أصف نفسي في مجال بالجهلِ علموا أنه جهلٌ حقيقي وليس مجرد تواضع متصنع.
فمثلا لو أن شخصا سألني: هل تتقن الهندية ؟ سأقول له: لا، لست أتقن الهندية (لأني سأفهم أنه سألني ليعلم إن كنت قادرا على مساعدته في مسألة متعلقة بالهندية أم لا)
لكنه لو سألني هل عندك علمٌ في الشريعة ؟ فإني سأجيبه (نعم) لأني أفهم أيضا أنه يريد أن يسألني عن شيء في الشريعة فالوقت ليس وقت ادعاء التواضع وإنما هو تماما كالذي يسألني أمعك 1000 دينار ؟ فإني لو قلت له (ليس معي) فمعناه أني أرفض مساعدته ولكني أقول له (معي) إن كنت أنوي مساعدته بها، فكذلك أفهم الموضوع في العلم، السائل قد يريد أن يتأكد من مدى قدرتك على إجابته فقد يعاني من معضلة في العقيدة تؤدي به إلى الإلحاد ويسأل ليعلم إن كان بإمكانك مساعدته في حل تلك الشبهة أم لا، وقد يريد معرفة حكمٍ فقهي لعل ماله وتجارته توقفت عليه ولعل زواجه أو طلاقه توقف عليه أو لعل عبادته توقفت عليه أو أيا كان فتصنع التواضع هنا إما أن يكون مضللا وإما أن يكون مجرد نوع آخر من الفخر والرياء ليقال عنك (ما شاء الله، متواضع).
وقد يقال: لماذا لا تحيله إلى غيرك ؟ فأقول: ذلك تماما كأن يطلب منك صديقك المساعدة في أمرٍ مادي فتحيله إلى غيرك (أراه نوعا من البخل والتخلي عن المسؤولية)
وإلا فبماذا يفيدني ماديا أن أشغل نفسي بالإجابة عن آلاف الأسئلة وحل المشاكل بالمجان ؟ ذلك يستغرق مني جهدا ووقتا وطاقة ثم حتى إن قيل لعلك تستفيد التقدير المعنوي فإن العكس هو الصحيح في حالتي تحديدا وذلك لأني لا أكسب محبا إلا وأكسب 10 أعداء مقابله، ثم حتى ذاك المحب سرعان ما يتحول إلى عدو فاليوم يؤيدك في ردك على المداخلة وغدا يسبك لردك على الشيعة وهنا يدعمك للرد على الأشاعرة وهناك يلعنك لانتقاد المداخلة ثم يحبك للكلام الجيد عن أهل غزة وبعدها يلعنك للكلام بسوء عن إيران وهنا يحبك لنصرتك معاوية وهناك يبغضك لإنكارك حد الردة وهنا يحبك لإنكارك حد الردة ثم يبغضك للدفاع عن الإمام البخاري وأهل السنة، ثم يناصرك إن رفضت وصف الصوفية بالمشركين لكنه بنفسه سيكفرك بدعوى التجسيم وبعدها يدعمونك إن حذّرت من الريد بيل ثم يهاجمونك إن حذّرت من النسوية، تقول كلمة حق لصالح مخالف لك فيهاجمك من كان ينصرك بالأمس لأجل نقدك له ثم قد تصنف بين عشية أو ضحاها مع أي فرقة كتبت فيها مئات أو آلاف المقالات للرد عليها لمجرد أنك في مسألة معينة قلتَ ما يُشبه قولهم فعن أي قيمة معنوية نتكلم ؟ والله وهو وحده يعلم لولا طمعي فيما عنده لأغلقت هذا الحساب منذ زمن طويل ولحولته إلى ما يشبه الهاتف (الرسائل والاتصالات مع المقربين فحسب).
#صهيب_بوزيدي
