الله فرض الحجاب شرعا لا قانونا
لو نظرنا للشريعة الإسلامية سنعلم أنْ ليس كل ما فرضه الله شرعا "بالمعيار المؤثر على الحسنات والسيئات ونتائجها يوم القيامة" يكون بالضرورة مفروضا قانونيا "بوضع عقوبة دنيوية له أو منعه بالقوة".
ولا شك أن الفقهاء أنفسهم قديما ذكروا في الحد بين الصغائر والكبائر قاعدة مهمة فقالوا إن الصغائر ما كان دون الحدين (حد الدنيا وحد الآخرة) أي أنهم كانوا يدركون أن ليس كل ما حرمه الله فيه حدٌّ في الدنيا وإنما هناك ما له حد في الآخرة دون الدنيا وهناك ما ليس فيه لا حد في الدنيا ولا في الآخرة.
لما نتأمل الحديث الذي همّ فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرق فيه بيوت من لا يشهدون صلاة الجمعة "على قول" و"الجماعة عموما" على قول آخر نعلم أنه في النهاية لم ينزل أي عقوبة على من ترك تلك الفريضة الواجبة وإنما قال (لقد هممت) ولكنه لم يفعل، ندرك أن الصلاة المقصودة في الجماعة سواء كانت جمعة أو جماعة أيا كانت رغم كونها واجبة (للقائلين بأنها صلاة جمعة فالجمعة واجبة دون سائر الجماعة وللقائلين بأنها في الجماعة فالجماعة عندهم واجبة) إلا أنه لم يحدد أي عقوبة لها ولم يجبر الناس عليها.
صح أن عددا من الصحابة وقعوا في الغيبة ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ناصحا لكنه لم يعاقب أيا منهم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم (كلكم مدرك نصيبه من الزنا لا محالة فالعين تزني وزناها النظر....إلى آخر الحديث) ومع ذلك لم يضع أي عقوبة على من أمسكته الشرطة ينظر إلى فتاة ما مثلا، وإنما العقوبة للذي وقع في حد الزنا المعروفة شروطه وما دون ذلك لا عقاب ولا منع في الدنيا رغم وجود التحريم في الآخرة.
كذلك الحجاب فُرض شرعا بمعنى (الحسنات والسيئات) ولم يفرض قانونا وليس هناك أي نص يأمر الحاكم المسلم بفرض الحجاب على رعيته بالقوة ولا يوجد أي نص يحدد عقوبة من لم تلبس الحجاب.
الشريعة الإسلامية مرنة متناسقة مع الهدف الأسمى منها وهو امتحان الجنة والنار، ولو أن الله فرض قانونيا على الحاكم إجبار الناس على فعل كل واجب وترك كل محرم لما كانت هناك غاية من اختبار الدنيا أساسا، وذلك لأن الشعب سيصبح إما مساقا إلى الجنة بقوة الحاكم لا بفضائه الشخصية وإما منافقا أو مرائيا لا إخلاص في عمله إذ لا يفعل شيئا إلا تجنبا لعقاب الحاكم.
بينما جعل الله حدودا في الأمور التي تتعدى مجرد حرية الشخص الفردية وتمتد لغيره بالأذية كالسرقة والقتل وقطع الطريق والزنا "الذي فيه أربعة شهود عدول مأمورون بعدم التجسس" أي أنه لا يتحقق بهذا الشكل إلا إن كان علنيا فإن أعلن عنه فإنه يتجاوز مجرد سلوك الفرد وإنما يضر بأعراض الناس وكذلك سائر الشرائع التي فيها حدودٌ تكون في الإضرار بالمجتمع لا في السلوكيات الفردية.
ويمكنني القول بكل وضوح: لا يوجد أي حد قانوني نص عليه الشرع فيمن لا تلبس الحجاب وإنما الأصل فيه الحرية ولكن ذلك لا يمنع الحاكم من الاجتهاد فيه بالمنع أو السماح حسبما تقتضيه مصلحة السياسة كما يمنع من القيادة بغير رخصة السياقة ومن تجاوز الضوء الأحمر رغم عدم وجود حد شرعي في ذلك، وله ألا يمنع ذلك أيضا ويبقيه على أصل الجواز أو يمنع التعري الفاحش ويسمح بالتبرج العادي فكل ذلك راجع لاجتهاد الحاكم دستوريا وقانونيا ولا علاقة للتنصيص الشرعي بذلك.
كتبه #صهيب_بوزيدي
