الفوزان يدعو إلى الهروب من مناظرة الملحدين
يتساءل كثيرٌ من الأفاضل المهتمين بالعلم وهم يرون منهجية الفوزان في التعاطي مع العلم فيقولون ((كيف يمكن للفوزان أن يناظر ملحدا أو كيف يمكن لمنهجه أن يُخرج لنا من يقدر على مواجهة الملاحدة بالحجة والبرهان ؟)).
وكان سبب هذا السؤال أن الفوزان ليس له باعٌ في علم المناظرة ولا في علم المنطق فضلا عن الإبستمولوجيا والآنطولوجيا والفلسفة الأخلاقية، بل هو في الاستدلال ضعيف جدا ولا يكاد يقدر على مناظرة مسلمٍ مخالف فضلا عن غير مسلمٍ، ولعل السبب الأكبر في ذلك يرجع إلى تعوّده على عدم الحاجة إلى الاستدلال فأتباعه ينزلون فتاواه منزلة النصوص والأدلة، فكيف يمكن له أو لمدرسته أن يناقشوا من كان مخالفا لهم وكيف يستطيعون العمل بقول الله عز وجل ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))
بل كيف لأتباعه أن يعملوا بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ينتسبون لمدرسته ((فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفي بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين)) [درء تعارض العقل والنقل 1/357]
وكان سياق كلام ابن تيمية في الرد على من يعارض نصوص الكتاب والسنّة بما يزعم أنه من الأدلة العقلية ثم انتقد أدلّتهم وقال قبل قوله السابق ((والذين يعارضون الثابت في الكتاب والسنة بما يزعمون أنه من العقليات القاطعة إنما يعارضونه بمثل هذه الحجج الداحضة)) [نفس المصدر] حيث كان ينتقد طريقة مخالفيه في باب الأسماء والصفات من المتكلمين ويعترض على أدلتهم العقلية التي يراها أدلة غير قطعية حتى من الناحية العقلية ولا يثبت بها العلم واليقين فضلا على أن تصلح لمعارضة نصوص الكتاب والسنة، ثم أردف كلامه السابق ليؤكد على ضرورة التمسك بالأدلة القطعية اليقينية عند مناظرة أهل الإلحاد، ثم خاض بعد هذا الكلام مباشرة في نقد واسع لتلك الاستدلالات من الجهة العقلية يجدها القارئ في الصفحة التي تلي المصدر الذي أشرتُ إليه آنفا حيث خاض في مباحث وجودية تفصيلية.
وقال ابن تيمية في موضع آخر ((وما يحتج به أهل الإيمان والإثبات على هؤلاء الملاحدة يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يَشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات - كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات)) [التدمرية ص: 49]
قلت صهيب: رغم أن الإلحاد الذي يقصده ابن تيمية في هذا الموضع ليس نفسه إنكار وجود الله وإنما هو يقصد الإلحاد الباطني أو القول بوحدة الوجود وهو ما اشتهر به الفلاسفة الرواقيون في اليونان قديما ومضى عليه الأسكندرانيون أصحاب الفلسفة الأفلاطونية المحدثة وسار عليه أصحاب الفلسفة الغنوصية التي أدخلت هذه الفلسفة الباطنية على المعتقد اليهودي في القرنين الأول والثاني من الميلاد.
وبينما يستمتع القارئ ببعض هذه الشذرات الفكرية والوجودية أذكّره بأن الموجود في المقطع أدناه مخالف تماما لكل هذا الطرح، فالفوزان اختصر الطريق وأغلق الباب نهائيا وقال عن الملاحدة (اتركوهم ولا تناظروهم).
فهل يمكن للإنسان المسلم في ظل هذه التطورات والمواجهات الفكرية بين الثقافات والاعتقادات المختلفة أن يتشبث بمثل هذا الطرح ؟ هل الحل الذي نحافظ به على الإسلام هو الهروب من مواجهة الأفكار المخالفة ؟ وهل دين الإسلام الذي هو دين الحق دعانا إلى محاججة أهل الباطل أم إلى الهروب منهم ؟ أليس طرح الفوزان هذا يوهم الملحد أن المسلمين غير قادرين على مواجهة الملاحدة علميا ؟ أليس يوهم الناس أن الإسلام دين ضعيف لا يقدر أهله على الانتصار له بالحجج والمناظرات والبراهين ؟ أهذا هو الشيخ الذي يمكن أن يمثّل المسلمين أمام الأمم والشعوب الأخرى ؟ فكروا مليا فالقضية ليست قضية تهجم على شخص بعينه بقدر ما هي قضية استدراك أمر الأمة الإسلامية فمثل هذا الطرح يتسبب بخروج كثير من المسلمين إلى الإلحاد إذ سيتوهمون أن الإسلام عجز عن مجابهة الإلحاد لذلك دعا شيوخه إلى الهروب وتفادي المواجهة، بينما الصواب خلاف ذلك وإنما الذنب ليس ذنب المسلمين ولا علمائهم، المشكلة الوحيدة هي سوء اختيار أهل العلم الذين يمكنهم تحمّل المسؤولية العلمية لحماية عقول المسلمين من شبهات الخصوم بدل تعليمهم خطط الانسحاب والهروب.
#ملاحظة: أكثرت من الاحتجاج بكلام ابن تيمية لأنه حجّة على الفوزان وأتباعه، وإلا فإن غالبية علماء الأمة الإسلامية مطبقون على ضرورة التصدي للمخالفين بالحجج والبراهين وهذا الأمر عندهم من البديهيات المعلومة لدى العوام فضلا عن طلاب العلم فضلا عن العلماء.
كتبه #صهيب_بوزيدي
