احتكار الكفاءة المعرفية Monopoly of knowledge's competence
(احتكار الكفاءة المعرفية Monopoly of knowledge's competence )
#سلسلة_كيفية_النهوض_بالأمة (الحلقة الرابعة) ((بقلم صهيب بوزيدي))
#مقدمة: من أهم أسباب تخلف المسلمين اليوم انتشار السذاجة المعرفية والفكرية واحتكار بعض الجهات للكفاءة العلمية فأقصوا عددا لا يحصى من المسلمين من الذين يحملون علوما مختلفة المجالات وهيمن بعض من جعل منه أتباعه عُلابِطا سَحْبَلا سَبَحْلَلا كقِمَطْرٍ مده في طغيانه اغتماض الهِزَبْر فراغ الهَزَنْبَرُ شبم الفؤاد ولم يتئب فكاد لكل بو فأرداه في غياهب لجة خرج من ظلماتها المدلجون ولم يربض فيها إلا الحمقى المغفلون. فكان لزاما علينا بيان هذا التعتيم عسى أن يستفيق من أمتنا من مازل مشرئبا لواقع أفضل لتنقشع سحابة التجهيل التي ريَّمَت على عقولنا حاجبة إياها نبراس الحق مكبلة لها ولا نلتفت لكل دوغمائي عنيد ركبت قدمه رأسه فانتكست فطرته فغدا ذالقا على إخوانه باركا أمام أعدائه. ولكي تكون أخي الكريم صمصاما عضبا في وجه الباطل ولنصرة الحق فكن بالله مستعينا وأخلص نيتك له ثم تعرف على العلم والطرق المؤدية إليه وفي هذا المقال أريد التركيز على كيفية توظيف العلم بكل شعبه ووديانه ومعرفة القاسم المشترك بينها جميعا لتوظيفها في خدمة هذا الدين العظيم فلا تسمحن لأحد بتثبيط عزيمتك ولا يأخذك العجب فكلاهما عيبان مهلكان لكل طالب علم.
#ما_هو_العلم؟
العلم مطابقة الرؤيا للكليات الذهنية بالمتعينات الخارجية مطابقة تامة وهو ما يعبر عنه بإدراك الشيء على حقيقته إدراكا جازما.
#فما_هي_مجالات_العلم؟ (مصادر المعرفة إبستمولوجيا)
العلم كل ما تعلق بالموجودات والموجودات صنفان
الأول: موجودات غير مدركة بالحس بالبشري فلا يهتدى إليها إلا بالأثر والخبر فمصدر معرفتها (العقل والنقل).
الثاني: موجودات مدركة بالحواس البشرية. أي ان مصدر معرفتها (الحس).
#الصنف_الأول:
سماه الله عز وجل بالغيب فقال ((الذين يؤمنون بالغيب)) وعبر الفلاسفة عنه ب(الميتافيزيقا / Metaphysics) أي الماورائيات أو ما وراء الطبيعة ولأن الفلاسفة اليونانيين من المشائين والرواقيين والإسكندرانيين (الأفلاطونية المحدثة) لم يعتمدوا على الخبر مصدرا للمعرفة تاهوا وضلوا ولم يهتدوا إلى جواب نهائي فيما يتعلق بالإلهيات (علم اللاهوت) فقالوا بتولد العقول الفعالة العشرة عن العلة التامة وفيض العالم عن تلك العلة وزعموا اتحاد العقل بالمادة ((وحدة الوجود للرواقيين)) ويأس المشاؤون من الوصول إلى حل نهائي فانشغلوا بالفلسفة الطبيعية التي انشغل بها (الدهريون) ابتداء لأنهم لم يؤمنوا بوجود للغيبيات (أي الدهريون). فكان مصير هؤلاء التيه والضلال لأنهم أقصوا مصدرا مهما للمعرفة وهو (الخبر جنسه وآحاده ويراد بإطلاق الأصوليين للفظة النقل: أي عين الكتاب والسنة لا جنس الخبر) ومن المعلوم أن أهل الحق بعد أن حسنوا النقل (الكتاب والسنة) بالعقل اعتمدوه حجة عليه فقالوا باستحالة تعارض القطعيين منهما ورجحوا القطعي على الظني في حالة التعارض وبين الظنيين يقدم الراجح منهما على المرجوح. ولا يكون العقل سليما مُطَّرِدة أحكامه إلا بالإلتزام بتلك المصادر الثلاثة (الخبر والعقل والحس) تأصيلا وتنزيلا معرفيا. وبعد أن بيننا سبب هلاك الصنف الأول سنتطرق إلى سبب انحطاط الصنف الثاني.
#الصنف_الثاني: موجودات مدركة بالحواس ومصدرها في تلقي المعرفة (الحس) والله عز وجل حث عباده على الإهتمام بالعلوم الحسية وتوظيفها دينيا إما لزيادة في إيمان الفرد أو لزيادة في إيمان الجماعة أو لإقناع المخالفين ومن المعلوم أن الحس هو ما تم إدراكه (بالبصر أو السمع أو اللمس أو التذوق أو الشم) وهي الحواس الخمسة وبلا شك أن العلوم التجريبية امتداد للحواس فما يتم ادراكه بالتيليسكوب أو المجهر أو المنظار مدرك حسا إذ أن تلك الوسائل وسعت من المدارك الحسية فقربت البعيد وكبرت الصغير فصار كل من أولئك مرئيا. ومن الأدلة على ما ذكرنا:
1 - قال الله: (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ))
2 - قال الله أيضا: ((أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ))
3 - قال الله أيضا: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ))
4 - قال الله أيضا: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ)).
#الشاهد: أن إهمال العلوم التجريبية (الحسية) وإهمال (العقل) ليس مما أمر به الخالق عز وجل بل أمر الله بالنظر والتدبر في مخلوقات الله عز وجل وأمر بإعداد العدة فقال: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ )) ومن المعلوم أنه لا قوة يمكن إعدادها في هذا العصر من دون العلوم التجريبية فمبادئ الأقمار الصناعية والصواريخ والطائرات والدبابات والرشاشات وأدوات الجوسسة بل وحتى وسائل الإعلام كلها قائمة على التكنلوجيا الحديثة التي أسست قواعدها على اللوغارتميات والبرمجة الإلكترونية والفيزياء النووية والحيوية والكيمياء بمختلف مجالاتها وكل هذه الآليات القائمة على الموارد الطاقوية لا يمكن تغطية احتياجاتها إلا بالعلم بكيفية توليد الطاقة سواء كانت شمسية (حرارية أو ضوئية) مائية أو عضوية أو نووية أو من طاقة الرياح ....الخ ونفس الشيء إلى الكنوز الجوفية من المعادن والبترول والغازات بمختلف أنواعها لا بد من المعرفة بها وبكيفية استخراجها أم ننتظر أعداءنا يستخرجونها مقابل حصولهم على نصف هذه الثروات. ثم نقاتلهم بالدبابات والطائرات والأسلحة التي صنعوها هم وباعوها لنا وحتى وقودها استخرجوه هم لنا وما الذي ينقص أدمغتنا وعقولنا حتى نكون تبعا لهؤلاء علميا وحضاريا ؟؟ ثم بعد كل ذلك يظهر علينا رجل أعمى الله بصيرته فيقول: يا أخي هذه العلوم المادية لا تنفع في الآخرة.
#نقول: لا تنفع في الآخرة من درسها لغرض الدنيا ولكنها تنفق أخرويا من درسها بنية إعداد العدة والنهوض بهذه الأمة ثم إنها إن لم تنفع في الآخرة فهي لا تضر أيضا وبدلا من تضييع الأوقات في مختلف التفاهات فلماذا لا تضيع أوقاتنا في اكتساب هذه العلوم؟؟
#سبب_الإعراض_عن_العلوم_التجريبية:
أن كثيرا من الطلبة يدرس العلوم التجريبية من أجل أن يحصل بها رزقا ولا شك أن طلب الرزق واجب بما يحقق الإكتفاء الذاتي وجائز فيما فوق ذلك ويؤجر عليه صاحبه إن كان يطلبه من أجل تقوية مركز المسلمين وسط العالم ومساعدة المحتاجين ويكون عمله مطابقا لنيته ولكن لماذا الفشل عند عدم تحقيق تلك المنى والغايات؟ لماذا لا يستغل ما تعلمه في نصرة دينه ويترك مسألة الوظيفة موازية غير مانعة في تحقيق هذا المطلب فبدل تركيز كل من يريد بالعلم أجرا أخرويا على العلوم الدينية لماذا لا يخصص هؤلاء الطلبة ولو جزء بسيطا من أوقاتهم لأجل العلوم المادية ويوظفوها ويضيفونها إلى علومهم في الشريعة كما فعل الدكتور ذاكر نايك لم يمنعه الطب عن تعلم الشريعة ولا الشريعة عن تعلم العلوم التجريبية الأخرى ومثله الأستاذ الدكتور زغلول النجار فاختصاصه الأكاديمي في الجيولوجيا ولم يمنعه ذلك من التبحر في العلوم الطبيعية وها هم خريجو جامعة أم القرى كالشيخ سفر وسلمان يوظفون الفلسفة في نصرة هذا الدين كما كان يوظفها من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذلك عندنا في الجزائر الشيخ مختار الطيباوي وطلابه في وهران وغيرها يوظفون الفلسفة والمنطق والإبستمولوجيا والأنطلوجيا ....الخ في نصرة هذا الدين بل ولم يفتن كثير من المسلمين بعدنان إبراهيم رغم ضلالاته الواضحة إلا بسبب تمكنه في العلوم التجريبية والعقلية التي أهملها الكثير اليوم وعند زيارة الشيخ زغلول لمدينتنا لاحظت أن كثيرا من الناس الذين لا يؤبه لهم يسألون أسئلة جيدة تدل على وجود مستويات فكرية راقية لكنها مغمورة مدفونة تحت التراب أقصاها من لا يساوي في الفهم زعنفة ولا علمه يجاوز قطرة ماء وقد عمد بعض المتحجرين عقليا إلى انتظار وصول الشيخ زغلول للمسجد ليقوموا معا ويخرجوا من المسجد في وجهه وأمام الناس وهم يظنون أنهم ناصرون للحق وكل منهم يرى نفسه بطلا مغوارا قام بعمل عظيم ولا يعلم الجهلة أن لا خاسر إلا هم ولن يضر الشيخ زغلول فعلهم ذاك.
كتبه صهيب بوزيدي

