أعداء الإنصاف

مبدئي في نصرة الحق أني قد أدافع عن الذي أحب وعن الذي أكره بل قد أدافع عن الذي يحبني وعن الذي يكرهني.

إلا أني أسرّ بالدفاع عن الأول وأفعله عن طيب خاطر وأحتسب الأجر عند الله في الدفاع عن الثاني وأفعله مكرها لنفسي.

إلى حد الآن أجد نفسي فاهما للمعادلة: لكن الذي لم أفهمه هو أني بعد الدفاع عن الذي لا أحبه أو لا يحبني كثيرا ما أتعرض للهجوم اللفظي ممن لا يحب الذي أدافع عنه في لحظة صدق وحق مما يجعلني أحظرهم لا لكرههم لمن أكره وإنما لإساءتهم إلي.

والأسفه من ذلك كله أن يأتي الذي يحب ذاك الذي أدافع عنه مكرها فيحسب دفاعي عنه ملزما لي في كل أقواله فيحب أن يلزمني بالباطل الذي عنده ويحسبني اتخذته حجة علي وهو لا يدري أني لا أحبه أصلا لا هو ولا منهجه وإنما دافعت عنه لأنه ظُلمَ في ذلك الموضع فيكون دفاعي عنه دفاعا عن الحق الذي معه والذي لم ينفرد به وإنما هو ما نتبناه أيضا.

فلو سمحتُ بتمرير تلك المغالطة القائمة على هدرِ ما معه من الحق لأجل كرهه فإني سأسمح بتقرير معلومة في الأذهان هي في الحقيقة خاطئة (أن الفكرة التي قالها خاطئة) وبعدها ما يلبث أن يقول بنفس الفكرة أحد أهل الحق فينكرون عليه أيضا قائلين (لماذا قبلتم الإنكار على ذاك ورفضتموه الآن والفكرة نفسها ؟)

مثال ذلك: شخص لا أحبه سأله شيعي (هل نفهم القرآن بفهم أبي هريرة أم بفهم الأئمة المعصومين عند الشيعة ؟) فأجابه الشخص (نفهم القرآن نصا كما نزل لا بفهم أي شخص آخر) وذلك لأن وجه الاستدلال في القرآن كان واضحا والشيعي يريد إفساح المجال لنفسه كي يهرب من الإلزام بنص القرآن، فيقول أما فهمكم فلا يلزمني وأما فهمنا (فيأتيك بمذهب الشيعة) وبذلك لن تكون الآية ملزمة في حد ذاتها.

يأتي من لا يفهم من المناظرات نقيرا ولا قطميرا فيقول (جعل ذلك السني فهمه ميزانا للشريعة) فأقول بل جعل القرآن ميزانا للشريعة فهو الحجة الناطقة عن نفسها، فنحن لا نعتقد عقيدة الشيعة (القرآن الصامت والناطق) وإنما قرآننا هو المرجع فهمه من فهمه وجهله من جهله وفي المناظرة يكون الحوار أصلا في البرهان على الفهم الصحيح فهو محل النزاع.

وليس محل النزاع أن يأتي كل فريق بفهمه الجاهز ليلزم به الآخر (إنما مدار النقاش في إثبات أي الفريقين أولى بالفهم الصحيح).

وإلا فبمنطق الشيعي قد يناقشك النصراني في قرآنك ولن تستطيع أن تصل معه إلى أي شيء فيقول لك برهن لي على أن الله في قرآنكم واحد ؟ فتقول له مثلا قال الله ((وإلهكم إله واحد)) وقال الله ((قل هو الله أحد))

فيقول لك (هل نفهم هذه الآيات على فهمكم أم على فهمنا ؟) أما فهمنا فيقول (الله ثلاثة) وأما فهمكم وفهم صحابتكم فلا يلزمنا.

هكذا هو منطق الشيعي في النقاش، فإذا قال محاوره السني (بل نرجع للقرآن نفسه) نهض من لا يفهم في المناظرات والإلزام شيئا من أهل السنة أنفسهم ليصيروا سيفا مسلطا على أنفسهم ولا دافع لهم إلا بغضهم لذلك الشخص لأجل سلوكيات ومعتقدات قالها خارج هذا الموضوع وخارج هذه المناظرة.

أما أنا فدافعت عنه آنذاك بالرغم من تعرضه لشخصي بالافتراء والطعن والتشويه وتقويلي ما لم أقله مما يعني أنني الأولى بالتحامل عليه لو كنت متحاملا ممن يتحامل عليه لمجرد طعنه في النووي وابن حجر والسيوطي مثلا وذلك لأن ما جعل أولئك ينقمون عليه قد اشتركت معهم فيه (أي مخالفتنا له في منهجه هذا) وزدتُ عليهم أن الرجل تهجّم على شخصي أيضا ومع ذلك فقد أنصفته وظلموه، ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد بل نالني السب والطعن بسبب إنصافي له.

وليس هذا مثالي الوحيد: قد حظرتُ أناسا يبغضون بني أمية وحظرت آخرين يحبونهم فالصنف الأول حظرته إذ سبني وشتمني وهو يراني مواليا لبني أمية والصنف الثاني سبني وشتمني وهو يراني حاقدا على بني أمية وقس على ذلك المواقف من التصوف والسلفية والأشعرية وحتى في السياسة أجد من أحظره بعد أن اتهمني بالعمالة للدولة وأجد من أحظره بعد أن وصفني بالخارجي وأجد من حظرته "تخيلوا" لأنه وصفني بالمدخلي "أنا صهيب أكون مدخليا ؟" وأجد من وصفني بالشيعي الرافضي "أنا ؟" وأجد من وصفني بالناصبي "وهناك من يرى الدفاع عن عائشة وطلحة والزبير ومعاوية من النصب" وهناك من يرى أن كل من رفض النصب والاحتيال والتقديس لمن لا فضيلة له سوى أنه من نسل بني هاشم "حتى لو كان من نسلهم الذي تبعد المسافة بينه وبين هاشم 1400 سنة" ناصبيا.

#أقول: مهما فسدت أذواق الناس ومفاهيمهم فإني أسأل الله أن يثبتني على مبدأ قلّ من يسلكه واقعا وإن كثر مدعوه وهو مبدأ "الأولوية للحق" وذلك لأن الناس في الحياة على أصناف:

1 _ منهم من يعطي الأولوية للمصلحة

2 _ ومنهم من يعطي الأولوية للحزب والفرقة

3 _ ومنهم من يعطي الأولوية لرأيه الذي يرى أنه مستعد للدفاع حتى الموت عنه "لا يهم إن كان صحيحا أو خاطئا".

4 _ ومنهم من يعطي الأولوية للقوة.

5 _ ومنهم من يعطي الأولوية للعرق أو الانتماء الطبيعي الذي لم يكن له يد في اختياره.

وقليل من يعطي الأولوية للحق.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…