أصناف أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
1 _ الصنف الأول: ما ينقله عن الله بنظمٍ معجز متعبد بتلاوته وهو القرآن، دستور المسلمين وكتابهم الأعظم والأهم، وهو الذي أنيط به التحدي والإعجاز وتعهد الله بحفظه، وهذا الكتاب يشمل كل ما هو مهم وضروري في الإسلام سواء كان ذلك في العقيدة أم الأحكام أم الأخبار، وقد نقل إلينا القرآن متواترا.
2 _ الصنف الثاني: ما ينقله عن الله عز وجل بغير لفظٍ قرآني فلا يكون متعبدا بتلاوته ولا معجزا بنظمه وإنما هو لبيان بعض المسائل كوعد الله للمسلم بمغفرة ذنبه إن استغفر ومثل ذلك مما يكون غالبا من الرقائق والوعظ وتهذيب الأخلاق والسلوك والتحفيز على الالتزام، وهذه تدعى بالأحاديث القدسية، ليست مجموعة في كتاب واحد ولا درجات صحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم واحدة ففيها الصحيح والضعيف، القطعي والظني.
3 _ الصنف الثالث: ما ينقله النبي صلى الله عليه وسلم عن أحكامٍ دينية إما فقهية أو عقائدية أو خبرية مما لا يمكن أن يأتي به من عنده وإنما بوحيٍ من الله عز وجل، ولكنه لا ينقله لفظا وينسبه إلى الله وإنما يذكرُ الحكم جازما به فنعرف مباشرة أنه ما كان ليقوله لولا أنه علم حكمه من الله، ويشمل ذلك الأحاديث الخاصة بالحلال والحرام والواجبات والمستحبات والمكروهات إضافة لما يخبر به عما يقع مستقبلا أو ما ينقله عن عالم الغيب أو ما يذكره عن أهل الجنة والنار أو ما رآه في حادثة الإسراء والمعراج أو غير ذلك من الأحكام الدينية فهذه كلها تسمى أحاديثا ولم يتعهد الله بحفظها كما تعهد بحفظ القرآن ولكننا نعتقد أنه ما من حديث يبين حكما شرعيا يهم المسلمين وهو داخل في دينهم إلا ونُقل إلينا بأي شكل من الأشكال، إلا أن الأصول منقولة سلفا في القرآن ولا تتفرد الأحاديث إلى بالفروع، وأعني بالأصول هنا المسائل المهمة سواء كانت عقائدية أم فقهية ولا أعني بها التقسيم المشهور الذي يصنف العقائد جميعا في الأصول ويصنف الفقه جميعا في الفروع، وهذه الأحاديث منها القطعي والظني، المتواتر والمستفيظ والآحاد، الصحيح والحسن والضعيف والمكذوب، وذلك لأن الناس نسبوا للنبي صلى الله عليه وسلم أقوالا لم يقلها فتصدر أئمة الحديث قديما للتصدي لهم فأسسوا علوما في الحديث (العلل، المصطلح، الجرح والتعديل وطبقات الرجال، التخريج وسبر الأسانيد، تاريخ تدوين السنة، وشرح الحديث) وهذه الأصناف السابقة تندرج ضمن قسمين أساسيين (علم الحديث رواية ودراية) ووضعوا للحديث الصحيح شروطا بعضها منوط بإسناده والآخر منوط بمتنه.
4 _ الصنف الرابع: ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بصفته داعية إلى الله فإنه قد يدعو إلى الله معتمدا على أسلوب يستقيه من الوحي تارة كقول الله (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وقد يدعو باجتهاده تارة وقد يصيب وقد يخطئ الأسلوب، إلا أنه في حال خطئه لا يتركه الله إلا وهو ينزل عليه وحيا يصحح له خطأه، كما أنزل قوله تعالى ((عبس وتولى أن جاءه الأعمى...)) وبذلك تكون الأساليب الدعوية النبوية في نهاية المطاف صحيحة لأنها لا تخرج عن أحد الحالات الثلاث فإما إن تكون بوحي أو اجتهاد صائب فهي صواب وإما أن تكون باجتهاد خاطئ فينزل الوحي لتصحيحه فتكون النتيجة النهائية صوابا.
5 _ الصنف الخامس: ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم بصفته حاكما وولي أمرٍ للمسلمين وقائدا لهم، وهذا أيضا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فإما أن يكون بوحي كقول الله عز وجل ((ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)) وإما أن يكون باجتهاده فيكون صوابا إما بتأييد الوحي له وإما بإقراره بعدم التصحيح له، وإما أن يكون له اجتهاد في أمرٍ له خيارات معظمها صحيحٌ وبعضها أفضل من بعض فيلجأ للمشورة فيها ومثاله قول الله ((وشاورهم في الأمر)) ومثله ما حدث مع حباب بن المنذر عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبوحي فعلت هذا أم برأي؟ فقال "برأي يا حباب" فقال فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك فإن لجأت لجأت إليه فقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، والرواية وردت من أكثر من ستة طرق كل طريق منها لا يصح سندا لذاته ولكن العلماء لا يزالون يروونها ويستشهدون بها دون أن يردوها وذلك لعدة أسباب: أولا لأن متنها ليس منكرا وإنما هو موافق للقرآن في أمر الشورى، وثانيا لأن الرواية لا يترتب عليه حكم فقهي ولا عقائدي ومذهب العلماء في السير والمغازي التساهل مع الأخبار خلافا للأحاديث التي يستدل بها على أحكام دينية مهمة، وثالثا لأن ضعف الإسناد لا يعني أنه مكذوب وإنما يضعف الإسناد لغرض الاحتياط في النقل فسيء الحفظ ليس معناه أنه مصاب بالزهايمر فقد يصيب في غالبية نقولاته إلا أنه قد يخطئ أيضا، فللاحتياط يضعف حديثه، فإن جمع الحديث من ستة طرق مختلفة وكانت المشكلة في سند كل منها إما الإرسال وإما ضعف الراوي تقوى بعضها ببعض فلا أقل من أن تكون في رتبة الحسن خاصة إن لم يكن في متنها علة ولا شذوذ.
6 _ الصنف السادس: أن يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بصفته مسلما فيتصرف بأخلاق المسلم المثالي ويكثر من العبادة ويعامل الناس بخلق حسن، وقد قال الله في ذلك ((وإنك لعلى خلق عظيم)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وهذه الأخلاق الفاضلة أكثرها كان في النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فقد كان صادقا أمينا عادلا غير ظالم، لسانه طاهر ونظيف فهذه أخلاقه الشخصية بغير وحيٍ وإنما جاء الوعي ليعلمه المزيد من الأحكام والفضائل.
7 _ الصنف السابع: أن يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بصفته إنسانا، فهو لا يحرم الضب لكنه يعافه بصفته إنسانا، ويحب بعض أصناف الألبسة والأطعمة وله قصة شعر مفضلة كما يحبّ أشياء ولا يحب أشياءً أخرى، فهذه داخلة في إطار المباحات واختياراته، فإنه قد يختار من المباح ما لا يختار غيره وقد لا يختار ما يختاره غيره، صلوات ربي وسلامه عليه.
كتبه #صهيب_بوزيدي
