وقفات مع الجدل المثار حول د إياد قنيبي

1 - انتقاد الدكتور إياد قنيبي في النقطة التي أثيرت لا يعني إسقاطه ولا حتى هزّ شعرة من رأسه، إنما هو انتقادٌ لنقطة معينة حسب وجهة نظري ولا يوجد بشر على وجه الأرض أتفق معه في كل شيء بل ولا يوجد بشر على وجه الأرض يتفق مع بشرٍ آخر في كل شيء حتى من يحاول تقليد إنسان آخر فقد يخطئ تقليده، والنبي صلى الله عليه وسلم متفق على وجوب موافقته إلا أنه لا يمكن لأحد أن يزعم أنه استطاع موافقته في كل شيء وإلا فإنه ينسب لنفسه الإصابة التامة في معرفة الشريعة، ولذلك فحتى العلماء الأوائل كانوا يقولون ((كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر)) والدكتور إياد قنيبي نفسه ذكر بأنه يخالف موقع إسلام سؤال وجواب الذي نقل فتواه في مسائل أخرى وإن كانت قليلة.

2 - رأيي الكلي في الدكتور إياد قنيبي سبق لي ذكره على العلن وهو رأي إيجابي قلته عنه منذ سنوات، ولستُ ممن يجحد الرجل حقّه فيسكت عن الاتفاق وينطق عند الاختلاف، وقد نصحتُ بسلسلته "رحلة اليقين" وتمنيت لو أنه قسّمها إلى شطرين "رحلة اليقين" وسلسلة "نقض نظرية التطور" لأن نظرية التطور أخذت قسما كبيرا جدا من السلسلة وهي برأيي ليست النقطة الفاصلة في الخلاف بين الإلحاد والإيمان، وحتى ولو سلّمنا جدلا بصحتها فلن تنفع الملحدين في إثبات عدم وجود الله، وذلك يشبه أن يقال (صهيب كافر والدليل على كفره أنه يلبس نظارة وردية) فحتى ولو كانت هذه المعلومة غير صحيحة وأني لا ألبس نظارة بهذه اللون فإن ذلك ليس له علاقة بموضوع تكفيري إذ حتى ولو سلمنا بصحّة ذلك جدلا فما علاقة النظارة الوردية بكفر من يلبسها ؟ كذلك نظرية التطور حتى ولو صحت جدلا فعلاقتها بإثبات عدم وجود الله كعلاقة النظارة الوردية بإثبات كفر صهيب (وقد ضربت المثال بنفسي لأني أتكلم عن الكفر ولا يحب الناس أن يُضرب بهم المثال في موضوع التكفير ولو للشرح فتطوعت باسمي).

3 - المعلومات التي قدما الدكتور إياد قنيبي في موضوع نظرية التطور مهمة ومفيدة جدا خاصة وأنه يقدّمها لشريحة واسعة من الناس محاولا تبسيطها على قدر الإمكان لتكون مفهومة واضحة.

4 - الطرح العقلي الذي قدمه الدكتور إياد قنيبي في السلسة أيضا كان طرحا موفقا رجع بالفائدة على طبقة واسعة من المسلمين وحتى غير المسلمين، وقد تسببت سلسلته برجوع عدد لا أعلم تقديره من الملحدين إلى الإسلام كما تسببت بثبات آخرين عليهم وتعلمهم بعض طرق الدفاع عن دينهم كما نقل متابعيه نقلة نوعية أخرجتهم من جمود التقليد إلى عقلية الاستدلال والبرهان.

5 - الدكتور إياد قنيبي خرج من بيئة سلفية ومازال سلفيا ومع ذلك فإنه يحاول قدر المستطاع أن يكون داعية لصالح المسلمين جميعا مبتعدا عن الحزبية والطائفية، وهو صاحب طرح متأدب يظهر منه جليا تقصي الحق وطلبه والأهم من ذلك عزّته بدينه وتعليمه الناس ذلك.

6 - مازلتُ أرى أن الأبيات التي نقلها في أول منشوره لا شرك فيها، وقد جاء بأبياتٍ أخرى من نفس القصيدة في مقطعه التوضيحي ليبين بها المعنى المقصود للأبيات التي نقلها، وهنا أقول: إن من ينتقد كلام الدكتور ينتقده وِفق ما نقله بنفسه من أبيات، ولعل الأنشودة الملحنة لم تحتوي كل الأبيات المذكورة في القصيدة الكاملة، ومع ذلك فإن موضوع الاستغاثة بغير الله فيه خلاف بين طوائف كثيرة من المسلمين، قد يعتبر الدكتور إياد بعضهم غير معتبر عنده لذلك وجب أن يُناقش هذا الموضوع بالأدلة العلمية التفصيلية وهذا قد يحتاج مقالا مستقلا رغم أنه سبق لي الكتابة في هذا الموضوع وكان ملخص كلامي أن هذه الاستغاثات فيها ما يكون بدعة وفيها ما يكون خرافة وفيها ما يصل لحد الشرك لكنها ليست جميعا محمولة على الوجه الشركي إلا إن كان المستغيث يقدم عبادة مقابل طلبه أو يجعل استغاثته من نوع دعاء العبادة أو يجعل المستغاث به مستقلا في الإغاثة عن الله، أما إن جعله سببا من الأسباب كما جعل الله الأسباب في الجمادات والنباتات والأحياء (الأدوية، الأعشاب، الأطباء..إلخ) فهنا لا يكون مشركا لكن يقال له (ومن قال إن الله جعل سبب الإغاثة في هذا الميت ؟) ومع ذلك فإن أصل النقد لم يكن في موضوع الاستغاثة وإنما في تحريم أبياتٍ لذاتها رغم كونها محتملة المعاني بإقرار الدكتور إياد قنيبي نفسه، والاعتراض لم يكن على دعوته الناس تركها من باب الحيطة وإنما على التحريم القطعي الجازم لها رغم كونها حمالة أوجه.

7 - الغرض من هذه المناقشات العلمية ينبغي أن يكون إنعاش الرصيد المعرفي لدى المسلمين وحثهم على تحري المزيد من الحق، ولا شك أن حرص كثيرٍ من المسلمين على هداية الناس وخوفهم عليهم من الضلال قد يدفعهم إلى نوعٍ من التعصب وقد كان ضحيته هذه المرة الدكتور إياد قنيبي وذلك لأن كثيرا من الذين اعترضوا عليه لم يكتفوا بمجرد النقد البناء المحترم وإنما أرادوا إسقاطه وحولوها إلى معركة طائفية بين السلفية والصوفية وهذا زاد الطين بلّة وقد يكون ضره أكبر من نفعه، وعندما كتبتُ

8 - ليس المعترضون على هذه الأبيات يعترضون على حب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون اتباع قول الله ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)) فإنهم لا يتجنبونها كرها في النبي صلى الله عليه وسلم "حاشَ لله" وإنما حبا فيه وفي الدين الذي جاء به، في المقابل ليس كل من أراد التعبير عن حبه للنبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في ذلك يكون مشركا، فلابد من ضبط العبادة وتعريفها حتى لا ننسب كل قول أو فعل إلى الشرك، وحتى الأخطاء درجات.

9 - قد نلتمس العذر لمن كان ردهم عنيفا على الدكتور إياد قنيبي وذلك لأنهم ملّوا أيضا بدورهم من تعرضهم للتكفير واتهامهم بالشرك، حتى وإن كان الدكتور نفسه لم يوجه تلك الاتهامات لهم واكتفى بالبيان المجرد فهناك غيره ممن يلقون الاتهامات على الأعيان فيقولون (أنت مشرك، وقبوري...إلخ) ولا شك أنه ما من شخص أعلن إسلامه إلا وهو يعلم أن الشرك كفر ويعلم أنه لا يجوز له أن يعبد غير الله ولا أن يجعل له ندا أو مثيلا، يبقى الخلاف حول الأفعال والأقوال التي تصدر منهم أهي مما يصنف عبادة أم لا، ولا شك أنه لا يمكن لرجل أن يعبد شيئا دون نية العبادة ولا يوجد مسلم ينوي عبادة غير الله.

كتبه #صهيب_بوزيدي

No photo description available.

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…