وراء كل رقم شهيد حكاية
كثيرا ما سألت نفسي: لماذا يؤثر فينا مسلسل مثل التغريبة الفلسطينية أكثر مما تؤثر فينا أخبار الواقع ؟ فهو وإن كان إنتاجا تمثيليا لقصة حقيقية إلا أنه تمثيل في نهاية المطاف.
تفكرت في السؤال كثيرا ووجدت جوابه:
ذلك لأن المسلسل يعرّفك على الناس وقصة حياتهم حتى إذا فُقد أحدهم شعرت أنه من أهلك أو أحبابك خلافا للواقع فإنه ينقل لك أرقاما تُحسب بالحاسبة فلا تعرف قصة كل رقم وتفاصيل حياتها.
خلف كل شخص قصة وأحلام وطموحات، فيها قصص حبٍّ وآمال في النجاح وهمم عالية وأخرى كسولة، قصص اجتماعية ونفسية وثقافية، خلف كل رقمٍ يعيش إنسان له قصة تستحق وحدها مسلسلا كاملا.
لماذا اشتهر صاحب كلمة "روح الروح" رحمه الله وصار رمزا ؟ ذلك لأن الناس لمحت بضع ثوان من حياته، يوم احتضن حفيدته وقال تلك الكلمة، ذلك لأن منظر حفيدته وهي شهيدة لم يفُتت أو يُشتت ليهرب بصر الناس عن مشاهدته وإنما بقت ملامحها كما هي فأثارت حزن الناس لأن الصورة جمعت بين ماضيها وحاضرها في الوقت ذاته فمن يعلم ما وراء الجثث المردومة والمفتتة والمتناثرة ؟
قصة التغريبة الفلسطينية تجعلك تعيش علاقة الأم بولدها حتى إذا فرقت بينهما قذيفة بعد أن كاد اللقاء يجمعهما تجد دمعتك لا شعوريا تنزل، تنقل لك قصة حسن الذي قُتلت من كان يحبها ويحب الزواج منها ظلما حتى إذا جاء المحتل وجاهد ضده وفُرقت صفوف المقاومين اختبأ خلف قبرها ليودعها هناك وإذا بجنديين يريدان إهانة اسمها المكتوب على الشجرة قرب القبر بالتبول عليه أعزكم الله يطلق عليهما حسن وكل القلوب تقول "سدد الله رميك" حتى إذا انقطعت أخباره ترقبت عودته إلى أن تحزن لسماع خبر وفاته، ذلك المشهد الذي تتابعه وتعيشه هو ما يحصل لسبعين ألف شهيد، لكل منهم قصة ورواية ولكل منهم أهل وأحباب ينتظرون أخبارهم وكذا المجاهدون تحت الأنفاق كلما فجروا دبابة أو جندلوا سِربا من جنود الاحتلال كانوا كقصة حسن وهو يسقط الجنديين أمام قبر خطيبته.
ضحايا غزة واليمن ومن قبلهما سوريا والعراق والروهينغا وكشمير والبوسنة والهرسك والقوفاز والشيشان وإفريقيا الوسطى وسائر البلدان ليست مجرد أرقام تُكتب في وسائل الإعلام بل لكل منهم قصة وحكاية.
أما الشهداء فقد انتهى الابتلاء وصار وقت الجزاء فهم في أحسن عيشة يُشفقون على حال من بقي في الدنيا ولم يلحق بهم وأما أصحاب الج.هاد والابتلاء من الأحياء فقد وقع الأجر وما بقي لهم من الحياة إلا كما بقي لنا جميعا فإما عيش رغيد أو عيش صعب ولكن مآل ذلك جميعا إلى الموت، فمن تزود لما بعد الموت فقد أفلح وإلا فبئس الخسران المبين.
كتبه #صهيب_بوزيدي

