هل أخطأ الشيخ الددو أم أصاب
#هل_جبل_أحد_صحابي؟
#هل_الخطأ_في_المسألة_يعني_وقوع_السماء_على_الأرض؟
لعل الجميع قد سمع كلام الشيخ الددو حين قال "جبل أحد صحابي" وقال "لأن الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا" وقال " إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (جبل أحد يحبنا ونحبه) فلم يكن ليحب النبي لو لم يره).
وبالمختصر المفيد أقسّم تفصيل الجواب إلى عدة محاور أرجو أن يكون فيها الجواب الشافي لمن أراد الحق في المسألة.
#المحور_الأول:
أن نعلم بأن البحث في المسألة لا يكون بداعي التحامل على شخص الشيخ لاسقاطه ولا بداعي التلاعب بالقضية نفسها لتصويب كلامه ولو لم يكن صوابا وإنما نفرّق بين المسألة من حيث موافقتها للصواب أو مخالفتها وبين شخص الشيخ الددو.
#المحور_الثاني:
إن الشيخ ولد الددو من أهل العلم المعروفين بنفعهم للأمة ومواقفه السياسة والفكرية مواقف مشرفة ويقال إنه يتقن 52 عِلمًا من علوم الدين "أي أنها فروع في العلم الديني" وفي مواده العلمية كثيرٌ من الفائدة ولا يعني ذلك أنه معصوم لا يخطئ ولا أن يكون عليما تاما لا يصيبه جهل بأي مسألة فالله وحده المتصف بالعلم التام المطلق وكل ما سواه عباد له يعلمون ويجهلون وعلم البشر مجموعا مع بعضه البعض يؤول إلى الصفر إذا ما قورن بالعلم التام المطلق والذي لا يتحقق صفةً إلا في الله عز وجل فكيف بعلم رجل واحد.
فإن علمنا أن عِلمَ المخلوقات جميعا بلا استثناء يؤول إلى الصفر مقارنة بعلم الله المطلق فمعناه أن النسبة المتبقية وهي ما يؤول إلى ما لا نهاية ما هي إلا "عدم العلم" أو بالأحرى "الجهل" وتُجتنب اللفظة الثانية من باب حسن الأدب مع المخلوقات الكريمة وإلا فلها نفس معنى "عدم العلم".
#المحور_الثالث:
إن اتضح ما سبق علمنا أن وقوع البشري في الجهل أو الخطأ في مسألة أو مسائل عدة هو أمر طبيعي بل هو أمر واجب فما من شخص إلا ويقع في الخطأ؛ فحتى الأنبياء أخطؤوا وصحح لهم الله الخطأ.
#المحور_الرابع:
يجب التفريق بين من أخطأ وهو يريد الخير للدين والأمة وبين من تعمد الخطأ ليكيد للأمة ويتآمر عليها فالأول معذور والثاني هو الذي يستحق الانتفاض ضده.
كما وجب التفريق بين ما يكون خطأً في أصل عقائدي وما يكون خطأً في مسائل فرعية لا تضر الدين.
#المحور_الخامس: لازم القول ليس بقول؛ فعندما نستلزم من خطأ ما أمرا قبيحا فإننا نذكر اللازم لندفع المخطئ للتراجع عن قوله ولكننا لا نقوّله بذاك اللازم وإنما ننبه على أنه يلزمه كما سيأتي بيانه.
#المحور_السادس_مناقشة_المسألة:
#الجزء_الأول
تعريف الصحابي اصطلاحا هو "من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا ومات على الإيمان".
هل يلزم من هذا التعريف أن الحي لا يسمى صحابيا إلا بعد موته ؟
الجواب: هذا التعريف أراد به العلماء إخراج من مات على غير الإيمان من المرتدين من مفهوم الصحبة ولم يرد به أن لا يُشهد لأحد بالصحبة وهو حي إلا بعد انتظار موته والتأكد من موته على الإيمان.
بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تسبوا أصحابي" والذين وصفهم "بأصحابي" ونهى عن سبهم كانوا أحياءً ومع ذلك سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ولم ينتظر موتهم حتى يسميهم بذلك.
والدليل الآخر حديث الحوض عندما قال "أصحابي" فظنهم أصحابا له بادئ الأمر وقد مات قبلهم ولم يعلم ما صاروا إليه فحكم عليهم بذلك ثم بُيّن له "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى" فعَلم بعد ذلك أنهم لم يموتوا على الإيمان وإنما ارتدوا وخرجوا من الإسلام فبعد أن ثبت لديه ما ينقض أصل صُحبتهم تبرأ منهم ولم يعتبرهم أصحابه بعدها فقال "سحقا سحقا" فدل هذا الحديث على أن المعاصرين للصحابة كانوا يجعلون الأصل في الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا ومازال مؤمنا فإن ارتد وبقي حيا زال عنه وصف الصحابي فإن افترضنا أنه عاد للإسلام بعد ردته ثم مات مؤمنا فعندها يسمونه صحابيا وفق الضابط؛ ولم يكونوا يؤجلون الحكم على الصحابي بأنه صحابي إلى ما بعد موته.
فجاز في الأصل اطلاق وصف الصحابي على من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا وبقى على إيمانه ولم يمت بعد فيسمونه صحابيا حتى يموت على ذلك فيموت صحابيا أو يرتد عن الدين فيسقط عنه الوصف وهو حي فإن مات على ذلك بقي الوصف ساقطا عنه.
ومنه فلو كان جبل أحد بشريا أطال الله عمره مثلا وبقي على الإيمان لما كان في وصفه بالصحابي أي إشكال سواء بالمعنى اللغوي أو الاصطلاحي.
والشيخ الددو شخصيا من أكثر الناس تصديا للطاعنين في عدالة الصحابة وقد فصّل مرارا وتكرارا تعريفات الصحابي وليست بالتي تخفى عليه وقد سمعته بنفسي منذ أكثر من 8 سنوات يفصل ذلك في لقاءات بعنوان "عدالة الصحابة" فالتعامل معه بسياسة التجهيل والتحقير وكأنه ولد البارحة لا يعرف حتى تعريف الصحابي يدل على مجازفة وتهور في الحكم.
هل هذا يعني أنه مصيب في هذه المسألة؟ ليس ذلك لازما بالضرورة فنحن لم ننته بعد من تحرير المسألة.
#الجزء_الثاني:
قال الشيخ الددو (إن جبل أحد كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم وما كان ليحبه لو لم يره) فأراد بذلك أن يثبت للجبل رؤية النبي ليكتمل فيه تعريف الصحابي ومناقشة ذلك من ثلاثة أوجه:
#الوجه_الأول: أن الشيخ الددو لا يحتاج لاثبات رؤية الجبل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ أن الصحبة "في أصلها العام بعيدا عن الجبل والبشر" تثبت بمجرد اللقيا وليس شرطا فيها الرؤية فعبد الله بن مكتوم كان أعمى ومع ذلك فهو صحابي بالاتفاق إذ ما كان يمكنه أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم فثبتت صحبته باللقاء والشيخ الددو نفسه ذكر ذلك في لقاء "عدالة الصحابة" أي أن هذا التعريف ليس خافيا عليه ولكن لعله لم ينتبه له خاصة مع اللقاءات المباشرة التي يزل فيها المرء ويفقد التركيز وهذا ما يطرأ على كل البشر فقد ينسى الواحد منا حتى سورة الفاتحة.
والشاهد من هذا الوجه أن الشيخ غير مضطر لاثبات رؤية جبل أحد للنبي صلى الله عليه وسلم ما دام الجبل غير قابل للرؤية كما هو حال الأعمى.
#الوجه_الثاني: ما ذكره الشيخ الددو في قوله "بما أنه أحبه فمعناه أنه رآه إذ ماكان ليحبه لو لم يره" هل هو صحيح ولازم؟
الجواب: بهذا اللفظ لا يكون الكلام صحيحا لأن المسلمين اليوم جميعا لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك يحبونه والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم ير ربه ومع ذلك أحبه والمؤمنون جميعا لم يروا ربهم ومع ذلك يحبونه؛ فالمحبة تكون بمعرفة المحبوب ومصادر المعرفة غير مقتصرة على الرؤية "وهي إحدى طرق الحس" بل تشمل الخبر الصادق وما يتوصل إليه بالعقل ناهيك عن أصل الفطرة ولا أظن الشيخ يغفل عن هذه النقطة من الناحية الابستمولوجية ولكن لعله أراد التعبير عن اللقيا والمعرفة فنطق بالرؤية فأخطأ بذلك.
#الوجه_الثالث: هل قصد الشيخ ولد الددو التشكيك بحب المؤمنين جميعا للنبي صلى الله عليه وسلم كونهم لم يروه ؟ مما لا شك فيه أن الشيخ الددو نفسه مسلم ويصرح بحبه للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يمكنه القول بنقيض ذلك وهو مسلم أصلا فهل قصد بذلك الطعن في حبه للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا ؟.
فغاية ما يمكن قوله "إن لازم كلام الشيخ الددو هو أن ينفي حب المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم إن اشترط بذلك الرؤية وهو ما لا يقره" فإن أُبدي هذا الالزام له يكون مساعدا له على التراجع عن استدلاله أو التخلي عنه فيكون الزامنا هذا مبنيا على بيان خطأ قوله فحسب.
أما أن نتجاوز بذلك فنقول بأنه يريد الطعن في حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم وكأنها غاية الرجل فهذه شدة في الرد وفيها مخالفة لطريقة أهل العلم في تصويب أخطاء العلماء الآخرين.
#الجزء_الثالث:
هل تعريف العلماء للصحابي يشمل كل المخلوقات أم هو مخصوص بأهل التكليف دون غيرهم ؟.
ومعلوم أن الجبال في الأصل غير مكلّفة حتى ولو ثبت حبها للنبي صلى الله عليه وسلم فقد قال الله ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا))
فجبل أحد وإن كان يحب المؤمنين فذلك لا يناقض عدم تكليفه إذ ثبت عدم تكليف السماوات والأرض بالآية السابقة ومع ذلك ثبت تسبيحها وتسبيح سائر المخلوقات فقال الله ((تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)) وتعريف الصحابي بناه المصطلحون عليه على مصطلحات يراد بها أهل التكليف من الإنس ولعلهم فيما نعلمه لم يتحدثوا عن صحابة من الجن ولو فعلوا لكان أولى بالصحة من حيث اشتراك الجن مع الإنس في التكليف وثبوت لقاء نفر من الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المصطلح أريد به ضبط طبقة الجيل الأول من رواة الحديث وهم الصحابة "هذا في علم الحديث" وأما في أصول الفقه فيُضبط بهم الجيل الذي يُتعامل مع أقواله على ثلاثة حالات (حال الإجماع والاختلاف والقول دون ثبوت قول معارض) ولذلك أحكام أصولية أذكرها على نفس الترتيب (حجة؛ لا يُخرج عن الخلاف؛ قرينة مرجحة "مع وجود خلاف في الثالثة بين الأصوليين) ولذلك فلا معنى لاضافة الجبل بين الصحابة فذلك لن يقدم شيئا ولن يؤخره فلا يوجد طريق مروي في سنده جبل أحد ولا يوجد رأيٌ فقهي لهذا الجبل.
فإن كان كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا صار صحابيا وإن لم يكن مكلفا فعلى هذا تصبح السماوات والأرض من الصحابة أيضا لأنها تُسبّح "فيثبت بذلك إيمانها" وقد لقِيَت النبي صلى الله عليه وسلم فقد أُسري به فمرّ في السماوات السبع وعاش ومات في الأرض وكل الأشياء تسبح بحمد الله فهل تدخل كل الذرات والحجارة والمياه وقطرات المطر في تعريف الصحابة؟ وهل يوجد لذلك أثرٌ علمي أو فائدة فقهية أو حديثية؟
#خلاصة_الحكم: الخطأ في هذه المسألة أو الصواب فيها أقل من أن يكون فرعيا وتافها وقد أخذ حجما أكبر مما يستحقه وليس مثل الشيخ الددو من يسقط بمجرد خطأ في مسألة لا تضر المسلمين في دينهم ولا في عقيدتهم ولعل البحث فيها داخل في التّرف العلمي الذي لا يحق حقا ولا يبطل باطلا وأهم من معرفة الصواب في المسألة معرفة حجمها وإدارة الخلاف فيها والشيخ أفاد الأمة في المسائل الكبيرة التي جبن وتقاعس عنها عدد كبير ممن يسمون بالمشايخ وأحيانا تلتمس بعض الدول أخطاءً كهذه لتُسقطَ الشيخ لا بسبب الخطأ بل بسبب مواقفه التي تعرقل مشاريعها التدميرية.
أما جبل أحد فليس صحابيا لأنه ليس مكلفا والتعريف الاصطلاحي الخاص بالصحابة متعلق بالمكلفين من البشر الذين رووا الحديث وفسروا القرآن وتحدثوا في الفقه أما جبل أحد فحتى ولو أضفناه للصحابة فلن يزيد ذلك أو ينقص من التراث شيئا كما هو حال كثير من الصحابة المكلفين الذين لم ينقلوا حديثا ولا تكلموا في الدين فتكون معرفتهم من باب السيرة والفضول العلمي وإلا فهل علمنا أسماء جميع الصحابة وعددهم 120000 وضبطنا أسماءهم وبقي لنا جبل أحد فقط لنقتتل في صحبته؟ فإن كان عدم معرفة جميع الصحابة من البشر لا يضر المرء في دينه ويكفيه الحكم العام وما يترتب عليه فكيف بجبل أحد ؟.
كتبه #صهيب_بوزيدي

