موعظة من غير واعظ

كنت أكلم صديقا لي عن الفرق بين فِكري القديم والجديد يوم كنت ميالا للتشدد ويوم صرت ميالا للرحموية.

فقال: متى وجدت نفسك أشد تقوى لله بين المرحلتين ؟

قلت: قديما كنت أخاف من الله أكثر مما أنا عليه الآن وكان عملي أوفر، لكن كثيرا من الأحكام التي اعتقدت تحريمها قديما تغيرت أفكاري فيها فمع مراعاة هذا الميزان الجديد يصبح ما كنت أراه ذنبا في الماضي لا أراه ذنبا في الحاضر.

ولكني الآن أحبّ الله أكثر مما كنت أحبه قديما.

بل إني كنت أقر بحب الله لأنه من الواجب علي حبه ولم أكن أشعر بذلك الحب حقيقةً في قلبي وإنما أردد ذلك لفظا دون استشعاره كما يجب معنى، أما الآن فصرت أحب الله وأطمئن إليه.

قال: وأي الحالين أفضل عندك ؟

قلت: أفضل الحالين لو أني أجمع بين اجتهاد الماضي في العبادات واجتهاد الحاضر في إنتاج العلم والبحث والمعرفة وتدبّر أمر خالقي فأجمع بين الخوف والرجاء وحبه في آن واحد.

قال: وما يمنعك عن ذلك ؟

قلت: الرجاء يورد الاتكال على عفو الله ورحمته وهذا يؤدي إلى بعض التقاعس، فمن أمِن العقوبة أساء العمل، ولا أقول أساء الأدب.

قال: طيب بعيدا عن الخيار الثالث الذي فهمت أنك لم تبلغه بعد إذ يحتاج إلى الجمع بين أفعالك في الماضي ومعرفتك واعتقادك في الحاضر وهذا غير متحقق بعد، بين الماضي والحاضر أيهما تفضّل ؟

قلت: أفضّل الحاضر، وسأنبئك في آلاء ذلك، رجلٌ يطيع حاكما لأن مفهومه عنه أنه مثل بشار الأسد لا يعرف سوى التعذيب لمن يخالف "سجن صيدنايا مثالا" فقد يكون عمله وأداؤه في الطاعة متقنا ومحكما لأنه يخاف التعذيب، يخاف من صيدنايا، أهذا أفضل أم رجل يطيع حاكما ما لأنه يراه رحيما ومستحقا للحب، حاكمٌ حنون وعطوف ورحيم مثل النبي صلى الله عليه وسلم أو أبي بكر الصديق، حاكم يحبه الناس الأسوياء ويطيعونه عن حب وربما هم مستعدون لطاعته وإن أمنوا عقوبته وإن لم يطمعوا في جزائه، فحتى ولو كانت أعمالهم أقل من الأعمال التي يؤديها محكومو الحاكم الذي مثل بشار الأسد فإنهم يحبونه بينما طائعو بشار لا يحبونه وإنما يرهبونه فحسب.

ذلك الحاكم العادل بدوره يعاقب من يستحق العقوبة ويجازي من يستحق الجزاء ولكن العقوبة عنده بقدر الخطأ والجزاء بكرمٍ منه وزيادة، فأيهما أفضل ؟

قال: طاعة الحب والاقتناع خير من طاعة الرهبة والخوف.

قلت: وعمل الرهبة والخوف قد يكون خيرًا من عمل الحب والاقتناع، ولكنه أشد إخلاصا ووفاءً.

وخير الأعمال أن يكون الإنسان حييا من ربه عاملا بمبدأ (أفلا أكون عبدا شكورا) فيكون مكثرا من الأعمال والعبادات رغم أنه أأمن الناس من عقوبة الله وهو الموعود بمغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أما نحن فنحاول أن نسدد ونقارب، نجتنب الكفر والظلم والكبائر ونجتهد في اجتناب الصغائر فما وقع من تقصير أو خطأ أو ذنبٍ فنحاول تداركه وقد تأتي على الإنسان فترات الغفلة كما تأتيه نفحات إيمانية تضيء دربه، وبين هذا وذاك يترك دائما بينه وبين الله حبلا لا يتركه أبدا مهما تقاعس أو تكاسل، مهما أذنب وقصّر فإن الواجب عليه أن يتمسك بذاك الحبل ويقول "أنا متدين بدين الإسلام، أخاف الله وأرجوه وأحبه، أنا إنسان ملتزم وإن قصرت، إني وإن أخطأت في هذا الذنب فعلي اجتناب ذاك الذنب، وإني وإن لم أستطع إخراج نفسي من وحل المعاصي الآن فإني متدين لا أقطع أملي بالتوبة ولا أقطع أملي بالله، وإني وإن عصفت بي الرياح فأبعدتني عن الطريق المستقيم قليلا فلن أتخلى عن الوجهة العامي، قد أمشي على حافة الطريق وقد أسير إلى الله ببطء ولكني لن أبدّل هذا المسار ولن أحيد عنه.

هذه طريقتي في التدين.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…