مسخرة الإلحاد فاقت الجنون جنونا
لو أنني أكتفي بتقديم الإلحاد كاملا كما هو عليه دون التطرق لنقضه فإن كل عاقل سيعتبر الإلحاد أتفه من قول المعمم شبر "الأرنب من الحشرات".
بل أتفه منه بملايير الأضعاف.
لكن سبب ظهور الإلحاد بمظهر مُحترم في أعين من يجهله هو اعتماد الملحدين على أسلوب الهجوم على الدين وطرح الشبهات دون التعرض لأصول الإلحاد.
يهرب بعض الناس من الاختلافات بين الفرق في الدين ولا يعلمون أن الإلحاد أيضا مشتمل على عدة فرق ومذاهب "اللا أدرية؛ اللا إكتراثية؛ الربوبية؛ الإلحاد السلبي؛ الإلحاد الموجب؛ السفسطائية بأنواعها الثلاثة هي الأخرى: المنكرون لوجود المعرفة؛ القائلون بنسبية الحق؛ القائلون بأن كل الأقوال حق حتى المتناقضة".
يرتعب الناس من لفظ "فلسفة" ولا يعلمون أن من الفلاسفة من قال بالمذهب المثالي وهو انكار وجود المتعينات في الخارج؛ "طبعا هذه الجملة زادت المذهب رهبة واحتراما لصعوبة الألفاظ" فدعنا نشرحها لتظهر تفاهتها وجنون أصحابها ومخالفتهم للفطرة الجلية.
ما يقولونه هو أن كل شيء لا وجود له في الحقيقة وإنما هو من محض الخيال كما نتخيل في الأحلام فلا توجد عندهم سماء ولا أرض ولا قمر ولا فضاء ولا حتى الأشخاص الذين تراهم في حياتك كل ذلك بالنسبة لهم محض وهم تتخيله.
نعم هذا الهذيان عندما يُضاف إلى اسم "الفيلسوف فلان وعلان" يصبح اعتقادا ذا هيبة في أعين الجاهلين ويصبح علما لا يدرسه إلا المتخصصون الأقوياء العباقرة وبتزيينه بمصطلح المذهب الابستمولوجي المثالي يصبح جميلا ولكن جماله خيالي وهمي لا أصله له في الخارج كما هو اعتقادهم في المجودات؛ ويمكن اعتبار هؤلاء صنفا إلحاديا رغم قولهم بوجود الإله لأن الإله عندهم كسائر الموجودات لا وجود له خارج الذهن بل هو مجرد وهم وخيال في الأذهان وهذا هو نفس كلام الملاحدة الذين يقولون بأن الإله لا وجود له إلا في أذهان المؤمنين.
قد يرتعب ضعيف الشخصية عندما يسمع بمذهب إلحادي جديد اسمه اللا إكتراثية ويسمع صاحبه يتبختر بأقوال الفيلسوف نيتشه ولا يدري أن وجود هذا المذهب يوجب علينا أن نحمد الله على أن خلق جهنم ونسأله أن يعتقنا منها فهؤلاء يقولون "لا يهمنا إن كان هناك إله أو دين فنحن لن نؤمن به ولو كان موجودا ولو كان مصيرنا الخلود في جهنم لأن ما يهمنا أن نعيش حياتنا وبعدها فليكن ما يكون"؛ قيل لي كيف الرد عليهم؟ قلت: لا يهمني أن أرد عليهم ولا أن أهديهم فما داموا غير مهتمين بمصيرهم فلماذا أهتم به؟ من أجل هؤلاء ومن شابه صفاتهم خُلقت جهنم فكذلك لم يهتم إبليس بمصيره رغم أنه علم أن الله حق وأن النار حق والجنة حق فعصى الله مستكبرا وكفر بحكمه جحودا ومعاندة.
قيل لي كيف نرد على اللا أدري قلت ردنا على الملحد المنكر لوجود الله هو ما يُفترض أن يكون ردا على اللا أدري؛ أما الجازم بعدم وجود الله فكان ينبغي عليه أن يعطي دليلا على عدم وجود الله ونعطيه نحن الأدلة على وجود الله كما فصلته في مقطع لي في اليوتيوب بعنوان "ماذا يعني أن تكون ملحدا" ومن السخف قول أحمد حرقان في مناظرته للزغبي "إن قال رجل بأن هناك كأسا ما على سطح كوكب ما وأنكرتُه فلستُ مطالبا بالدليل على عدم وجوده"؛ أقول بل تكون مطالبا بالدليل لأنك لم تكتف بالقول بالإمكان بل جزمت بالنفي والتكذيب فيجب أن تستدل بدليل الامتناع كما يستدل صاحبك بدليل الوجود؛ وإلا فهل يُعقل أن يقال: مادام فلان لا يعرف أن حرقان موجود فمعناه أن حرقان غير موجود؟؛ بل إن حرقان نفسه في تلك الحلقة استدل عليهم في مسألة الشر برؤيته لقطة دعستها سيارة وماتت بينما كان قادما اللاستوديو؛ فهل نعامله بمنطقه "نحن لم نر تلك القطة تدعسها السيارة فمعناه أنها والسيارة والحادث كله لا وجود لهم وفقا لقاعدتك عدم العلم بالشيء يعني العلم بعدمه؟
لو دخل ملحد ما ووجد أمه مطعونة بسكين في قلبها ووجد آثار وحل حذاء غريب داخل البيت وكسر للباب والأقفال وسرقة ما في البيت ولم يشاهد ذلك السارق فيلزم أن يجزم ويعتقد قطعا بعدم وجود سارق فعل ذلك بل يعتقد بأن ما حدث كان بلا سبب ولا مسبب ويمكن أن يكون حادثا بالصدفة فحسب.
#ملاحظة: القول بالصدفية ونفي السببية ليس معناه نفي نوع معين من الأسباب بل نفي جنس الأسباب فحتى القول بأن ريحا دخلت وطارت بالسكين لصدر تلك الأم وجاء زلزال كسر الباب ودخل فيضان ماء فأخذ المال وهرب به بعيدا ثم حملت الرياح زوجا من الأحذية من خارج المنزل وأدخلتهما للدار لضربهما في الأرض بشكل متناغم يشبه الخطوات البشرية الثامنة ثم الذهاب بالحذاء بعيدا "كل هذا أيضا لا يعد نفيا للسببية وإنما جعل الرياح والأمطار والزلزال سببا لما حدث" أما قول الملاحدة بنفي السببية فمعناه وجود هذه الآثار بدون وجود مؤثر سواء كان المؤثر بشرا أم رياحا.
هذا المشهد لا يساوي واحدا في الملايير مما يحدث في خلية واحدة من جسم الإنسان من تنظيم وتناسق يستحيل أن يكون بلا سبب ولا مسبب فضلا عن الكون الذي يُعد الجزء المدرك منه فقط مقدرا بعشرات الملايير من السنوات الضوئية علما أن الضوء يقطع في يوم واحد 25 مليار كيلومتر ولكم أن تتخيلوا البقية؛ كل هذا عند الملحد حدث بلا سبب.
عندما نلزم الملحد بمثال السيارة يقول أنا صدقت بأن للسيارة صانعا لأني رأيت الإنسان يصنع السيارة؛ طبعا هنا وقع في عدم فهم مذهبه فضلا عن فهم الإلزام الموجه إليه؛ لأن الملحد في أحسن حالاته شاهد صنع الإنسان لبعض السيارات ولم يشاهد الإنسان وهو يصنع كل سيارة يراها فالملحد الأمريكي مثلا لم يشاهد الكوري وهو يصنع سيارة من نوع هيونداي ولو شاهده وهو يصنع بعض السيارات فإنه لم يشاهد صنعه لكل السيارات وحتى صاحب المصنع نفسه لا يشهد صناعة كل سياراته واحدة واحدة وقاعدة الملحد تقتضي أن عدم رؤيته لصانع سيارة ما "بعينها؛ هي ذاتها" معناه أن ليس للسيارة صانع؛ ويجب التدقيق في كلامي "لازمه الجزم بعدم وجود صانع للسيارة التي لم يرها الملحد".
لأنه يعتمد على قاعدتين استلزمنا منهما ما قلته وهما: "مبدأ السببية غير صحيح" و"عدم إدراك الشيء حسا معناه عدم وجوده".
حسب النظام الإلحادي فكل شخص لم تلتق به في حياتك فهو غير موجود فإن التقيت به فقد وُجد في تلك اللحظة فحسب إذ جعَل المؤثر في وجود الأشياء إدراكه الحسي لها.
المادة حسب أصول الملحد ليست هذا الكون فحسب بل ما يدركه هو من الكون.
الملحد الذي لم يصله منشوري هذا يلزمه أن هذا المنشور غير موجود بينما الملحد الذي يراه يعتقد بوجوده فتتناقض أقوالهما وفق الأصل الذي يمشون عليه بل إن كل ملحدَين لا يعرفان بعضهما فكل منهما غير موجود بالنسبة للآخر "لزوما للأصل الإلحادي ومن خالف هذا الأصل فهو أحد الرجلين إما جاهل بالأصل الذي يقول به لم يطرد قاعدته فيه وإما جاهل بأصول الإلحاد اللازمة للإلحاد نفسه سواء قال بها أم لم يقل.
هذا هو الإلحاد على صورته الجنونية الحقيقية.
كتبه صهيب بوزيدي

