ماذا لو كان الحديث ضعيفا

الحديث وعلومه

#ملاحظة: هذا المقال متكامل مع بعضه فلا يجوز لمن يقرأ بعضه دون أن يتمه أن يسارع إلى بناء حكم عليه فقد يكون كالذي قرأ "فويل للمصلين" ثم نزل يعترض مباشرة كيف يعد الله المصلين بالويل ولو أتم القراءة لقرأ تتمة الكلام "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون" وإذا كان اجتزاء كلام الله يفسد معناه فكيف باجتزاء كلام عباده الضعفاء المساكين من أمثالي فدل ذلك على أن العيب من المجتزِئ لا من القول المبتور.

#بداية_المقال:

بعض المتمسلفين حديثا من الذين لم يجاوزوا قراءة المطويات ومقاطع اليوتيوب التي لا يتجاوز المقطع منها "دقيقتين" لم يفهموا معنى الحديث الصحيح والضعيف ومتى يُذكر الحديث الضعيف دون التطرق لسنده ومتى يجب التنبيه على سنده.

المشكلة عندهم عدم القراءة للمتقدمين والمحدث الوحيد الذي سمعوا به في حياتهم هو الشيخ الألباني رحمه الله وما سمعوا منه شيئا غير الهتاف باسمه وليتهم تعلموا منه ما يفيدهم.

فليقرأ هؤلاء كتب السابقين وأتحداهم أن يذكروا لي عالما واحدا لم يذكر في كتبه أحاديثا ضعيفة "مع عدم بيان ضعفها في نفس ذلك الكتاب".

ابن تيمية ذكر حديثا ضعيفا في كتابه الكلم الطيب "بل ومعناه باطل عنده إذ يفيد جواز التوسل بل حتى الاستغاثة بغير الله" والحديث ضعيف جدا ومع ذلك ذكره ابن تيمية دون التعقيب على درجة الحديث.

وكتاب الكبائر للذهبي مليء بالضعيف؛ الأدب المفرد للبخاري مليء بالضعيف "الأدب المفرد وليس الجامع المسند الصحيح المعروف بصحيح البخاري" وكذلك في سائر الصحاح الستة سنن الترمذي والنسائي وأبي داوود وابن ماجة ومثله في "المَدارك" مثل "مسند الإمام أحمد؛ مصنف ابن أبي شيبة؛ مصنف ابن عبد الرزاق ....".

وكل كتب التاريخ لا تخلو من الروايات الضعيفة والمكذوبة مسندة وغير مسندة "معلقة" وكذلك في كتب التفسير (تفسير الطبري؛ ابن كثير؛ القرطبي.....) كلها مليئة بالروايات الضعيفة والمكذوبة مع عدم تطرق مصنفيها إلى بيان عدم صحتها.

فيظن بعض المساكين أن ذكر حديث واحد ضعيف في مقال أو كتاب كافيا للقدح في صاحبه وهذا من الجهل المركب إذ يلزمهم القدح في كل الأئمة (بلا استثناء) وقد ينكر البعض على أحد حديثا ويكون لأهل العلم فيه كلام في صحته لكنهم لا يعلمون أن المتكلمين في صحته هم أنفسهم الذين استدلوا بهذا الحديث وصححوا معناه "مثل حديث من عشق فكتم فمات فهو شهيد" فقد ذكره ابن القيم في زاد المعاد وذكره عدد كبير من الأئمة دون التطرق لسنده "في تلك المواضع" وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وضعف سنده ثم قال بعد ذلك: ((لكن المعنى الذي ذكره دل عليه الكتاب والسنة ، فإن الله أمرنا بالتقوى والصبر ، فمن التقوى أن يعف عن كل ما حرمه الله ، من نظر بعين ، ومن لفظ لسان ، ومن حركة بيد ورجل )) انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله.

كذلك في متن الأربعين نووية توجد أحاديث ضعيفة؛ وفي رياض الصالحين هذا ولا أجد داعيا للحديث عن كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبو حامد الغزالي ففيه من الضعيف والموضوع ما الله به عليم ولنزيد من الشعر بيتا فالألباني نفسه صحح روايات ضعيفة وضعف روايات صحيحة في أكثر من موضع وتراجع عن بعضها ولم يتراجع عن بعضها الآخر وأوصى قبل موته طلابه بأن ينقحوا كتبه القديمة ليعدلوا على ما حكم عليه بالضعف وهو صحيح وما حكم عليه بالصحة وهو ضعيف "ومع ذلك لم ينجز أحد من طلابه وصيته ومن حاول ذلك تهجم عليه البقية وطعنوا فيه ووصفوه بالطاعن في الألباني" ماذا نفعل لهم؟ أناس يصدق فيهم مثل (رأى الخروف ثم أصابه العمى فكلما سألوه عن شيء قاسه على الخروف لأنه لم يعرف غيره) فكذلك هؤلاء لا يعرفون غير عالمٍ ومجموعة من طلابه فيقيسون الحق نفسه عليه وهو بريء من هذا الطرح رحمه الله ولم يلزم به أحدا.

يظن البعض أن هذا الفعل ناتج عن التعصب وقد صدقوا ولكن الذي جهلوه هو سبب هذا التعصب (هم يتعصبون للشخص بسبب جهلهم) من يعرف عالما واحدا ولا يعرف غيره فإنه يتعصب له لأنه لم يعرف في الوجود غيره ومن زاد علمه قلّ إنكاره.

ولو عاملنا هذا الصنف بمثل عقليتهم لاستخرجنا من كتب شيوخهم الكثير مما ينكرونه على غيرهم فكثير من شيوخهم يحدثون الناس بالضعيف ولا يشيرون إلى ضعفه رغم أنهم "هم أنفسهم الذين يطعنون فيمن ينقل رواية ضعيفة ولو صح سندها".

قال ابن كثير وغير واحد من أهل العلم (لا بأس بالعمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال).

أنكر على ابن كثير وغيره من العلماء بعض المتأخرين هذا القول فقالوا (العبادة توقيفية ولا نعمل فيها إلا بما صح).

ولم يفقهوا جيدا سبب تجويز هؤلاء العلماء للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال "فالسبب كون الحديث الضعيف يحتمل أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون قد قاله بخلاف الحديث المقطوع بوضعه فقد يرد الحديث عن مجهول فيضعف ويكون المجهول ثقة لم يعلم المحدثون بوثاقته وقد يكون الحديث منقطع الإسناد ويكون الساقط من السند ثقة وقد يرد عن ضعيف في الحفظ ولكن يكون الحديث مما أتقن راويه حفظه والعقل يجوّز ذلك كله وما علم الحديث في الأصل إلا علم قامت قواعده على العقل إذ ليس في شروط الحديث الصحيح ما ورد نقلا بل كلها شروط عقلية ولا يصح الاحتجاج على صحتها بالنقل وهي الضابطة لصحة النقل فيكون استدلالا بالدور السبقي القبلي الذي قال عنه ابن تيمية في الصفدية (1/12) ما معناه (والدور نوعان أحدهما الدور السبقي القبلي كأن يقال لا يكون هذا إلا قبل ذاك ولا يكون ذاك إلا قبل هذا فلا يكون هذا إلا قبل ذاك الذي هو بعد هذا ولا يكون ذاك إلا قبل هذا الذي هو بعد ذاك ومعلوم أن الشيء لا يكون قبل نفسه وبعدها في آن واحد فكيف يكون قبل قبل نفسه وبعد بعد نفسه بمجرد تصوره كاف للدلالة على امتناعه) والشاهد من كل هذا الكلام أن علم الحديث بقواعده يضبط ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما حكم عليه بالضعف فلا يكون بالضرورة ضعيفا ولذلك حكم كثير من المحدثين على الأحاديث الضعيفة بأنها في مرتبة الحسن لغيرها إن تقوت بالشواهد واكتفوا في بعضها بالقول بصحة معناها وبالنظرإلى قاعدة اللطلف التي تقتضي وجوب وجود عاصم فإن الله برحمته يعصم الدين ليصل إلينا كله فما حُكم على حديث بالضعف في حال صحته إلا وقد عوض الله الأمة بنص شرعي مثله يفيد نفس دلالته فيتم بذلك المقصد الشرعي من حفظ الدين" وقد تساهل كثير من المتأخرين في الحكم على الأحاديث بالوضع والحكم عليها بالوضع يعني الجزم بكونها مدسوسة عمدا والاستدلال على ذلك صعب ولا يكون بمثل هذه السهولة التي تعامل بها المتأخرون.

ومع ذلك فالكذاب نفسه قد يقول الصدق في بعض الأحيان بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة ((صدقك وهو كذوب؛ أتدري من صاحبك ...قال لا؛ قال فذلك الشيطان)) والشيطان الموصوف بالكذب ثبت عنه الصدق فكذلك الراوي الكذاب لا يعني بالضرورة أنه يكذب في كل حديث ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن من لطف الله ألا يجعل مصير الدين في روايات الكذابين والمتروكين فلو صح واقعا أن راويا كذابا نقل حديثا صحيحا وحكم عليه المحدثون بعدم الصحة فإن الله سيجعل له طريقا آخر يصح به فإن لم يكن فبنص آخر يفيد نفس الدلالة.

ولذلك كان من الأمانة أن نقل أئمة الهدى كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل أو وصف أو تقرير بغض النظر عن صحة ذلك أو ضعفه ثم يعمل المحدثون والفقهاء عملهم والله الحافظ لدينه بهم ومن فوقهم.

#فعزيزي_المتهور: تعلم قبل أن تعترض.

كتبه #صهيب_بوزيدي.

ماذا لو كان الحديث ضعيفا
شارك المقال:

من نفس الموضوع: الحديث وعلومه

شبهة همّ النبي بالانتحار

الحديث وعلومه

كيف يهم النبي بالانتحار والانتحار محرم شرعا ؟ مناط الشبهة هو جزء من حديث طويل في صحيح البخاري والشاهد منه ((وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه…

لا يصح في أحاديث السفياني شيء

الحديث وعلومه

لا يصح في أحاديث "السفياني" بهذا الاسم شيء وإنما كلها من روايات الشيعة الإثني عشرية في مصادرهم أما في مصادر أهل السنة فهي روايات وصفها المحققون بالمكذوبة…

لا تصح رواية اذهبوا فأنتم الطلقاء

الحديث وعلومه

من الروايات التي اشتهرت ولم تصح رواية ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) عند فتح مكة. قال الحافظ العراقي -رحمه الله-: ((رواه ابن أبي الدنيا في كتاب العفو وفي ذم…