لو عرض الطرح الإلحادي مجردا لهدم نفسه

يُلحد كثير من المؤمنين بسبب تسليط الملحدين الهجوم على مبانيهم الإيمانية وليس بسبب اقتناعهم بالمباني الإلحادية، فالإلحاد بالنسبة للإيمان أشبه ما يكون بالبطالة بالنسبة للعمل، فبمجرد أن يستقيل العامل أو الموظف من عمله في الشركة يجد نفسه بغير عمل، فكذلك بمجرد خروج الإنسان من الدين يجد نفسه بلا دين [أي ملحدا] لذلك يجتمع عدد من الناس على اعتناق الإلحاد لا لكونهم مقتنعين بمبانيه وأطروحاته وإنما بسبب إشكاليات أحدثها في مبانيهم وأطروحاتهم التي كانوا عليها.

وإلا فإن الملحد لو اكتفى بعرض مبانيه للناس ليدعوهم إلى الإلحاد لما دخل في مذهبه أحد، وذلك لأنها مليئة بالثغرات في مسائل مفصلية ومهمة.

1 - يُنكر الملحد وجود عالم روحاني موازٍ ويعتبره خرافة لأنه مخالف للطبيعة لكنه يُثبت وجود عوالم موازية لا نهاية لها [رغم أنها مخالفة للطبيعة أيضا].

2 - ينكر الملحد وجود أي شيء مخالف للطبيعة وينكر وجود الخوارق ولكنه في نفس الوقت ينكر وجود أي حقيقة مطلقة [مما يعني أن كون كل الأشياء طبيعية ليست حقيقة مطلقة ومعناه إقراره بوجود أشياء غير طبيعية].

3 - ينكر الملحد الإيمان بأي شيء ويثبت فقط التصديق بالعلم التجريبي، لكنه يُنظّر لمسائل غيبية بمجرد التكهنات ثم سرعان ما يثبت وقوعها دون أي برهان تجريبي فتجده يشرح لك الانفجار العظيم كيف حدث وكأنه كان شاهدا عليه فإن سألته عن مصدر وجود تلك النقطة التي انفجرت قال [هذا مما يعجز العلم إلى الآن عن الجواب عنه لكنه سيجيب عنه مستقبلا] مما يعني أن أهم نقطة في الحوار مبنية على إيمانه الغيبي بأن العلم سيجيب عنها [بالرغم من أن سؤالنا له ليس المطلوب فيه البرهان على ذلك تجريبيا فالنظرية كلها مجرد تخمين، وإنما المطلوب أن يخمّن ويعطي احتمالا فقط يسد به هذه الثغرة لينفي استحالة حدوث ذلك على الأقل، وهذا تنازل من المؤمن الذي يطالب فيه الملحد بإثبات صحة شيء ولو وِفق طريقة أسهل من التي اشترطها الملحد على نفسه في البرهان العلمي.

4 - يدعي الملحد أن كل ما في الوجود إما بيولوجي أو فيزيائي مكون من العناصر الأساسية للمادة العنصرية، لكنه من أجل صد بعض البراهين المجربة كحالات الجن والسحر يلجأ إلى تفسير ذلك بأنه حالة نفسية، وسرعان ما يجد التصديق على ذلك من بعض المؤمنين، وهنا تقع المغالطة، لا بأس للمؤمن بالروح أن يفسر ذلك بالحالة النفسية لأنه يؤمن بوجود تلك الروح التي قد تُصاب بهذه الحالة النفسية، أما الملحد فإنه لا يثبت الروح ولا العقل الروحاني وإنما العقل عنده هو الدماغ والأعصاب فقط، وهذه أمور بيولوجية عبارة عن خلايا وذرات وهرمونات وسيالات عصبية، وهنا يكون السؤال [إن كانت هذه نفسها مكونات النفس فما الداعي لوجود اختصاصين يعترف الملحد بهما: علم النفس، وعلم الأعصاب وعلم الأمراض العقلية...] يعني لماذا يوجد (البسيكولوغ والبسيكاتر] إذ يُفترض أن يكون العلاج المادي وحده كافيا للتغيير في الحالة النفسية مادامت أسسها نفسية، وهنا نطرح سؤالا علميا، لو سلّمتُ نفسي لأكثر العلماء البيولوجيين تطورا وقلت لهم أمامكم دماغي وبكل مكوناتكم أريد أن تعبثوا به لتحولوني إلى رجل ملحد وتغيروا من ذكرياتي وقناعاتي ومشاعري وطباعي وسلوكياتي، أريد أن أخرج بعد عمليتكم إنسانا مختلفا فإن كنت كريما فاجعلوني بخيلا وإن كنت شجاعا فاجعلوني جبانا وإن كنت مؤمنا فاجعلوني كافرا، يجيب الذكاء الصناعي بأن هذه العملية مستحيلة، وذلك لأنه لا يمكن تغيير معتقدات أي إنسان من خلال التعديل على مكونات جسمه البيولوجية وذلك لأن الأفكار والمشاعر نفسها ليست مادية.

وهنا سألت الذكاء الصناعي [هل يعني ذلك أنك تقر بوجود أشياء غير مادية في هذا الوجود؟] فقال [لا يمكن الخروج عن النظام المادي] فسألته [هل الأفكار مادية ؟] قال [الأفكار تنتج من التفاعلات العصبية والمادية] قلت له [لكن هل الأفكار نفسها مادية ؟ ليس السؤال عن المؤثر في إنتاج الأفكار وإنما عن الأفكار نفسها] فقال [ليست مادية ولكنها تابعة للنظام المادي مادامت تنتج جراء التفاعلات المادية] وهنا نقطة البحث [أي أن الأفكار موجودة ولكنها في نفس الوقت ليست مادية وِفقَ مفهوم المادة العنصرية التجريبية].

فهذا الإشكال يتجاوزه الطرح الإلحادي وهو يعلم جيدا أنه يهدم كل مبانيه ولكنه يغض الطرف عنه، والسؤال هنا [كم ملحدا اقتنع بالإلحاد وقد ناقش بالفعل هذه القضية أو المسألة وفكّر فيها مليا ؟].

5 - كثير من الملاحدة حول العالم يتهمون الأنبياء بالدجل ويكرهونهم ويتهمون المؤمنين بالغباء ويريدون دعوتهم إلى مذهبهم الإلحادي، بالرغم من أن اللازم من المذهب الإلحادي أن الإنسان ليس مخيرا وإنما تحكمه العشوائية إذ مادامت الأفكار والقرارات ناتجة عن التفاعلات الكيميائية في الدماغ فمعنى ذلك أن الإنسان ليس هو المتحكم في تلك التفاعلات الكيميائية وإنما هي التي تتحكم فيه، مما يعني أن كل قراراته تنتج صدفة فعلى أي شيء يُلام أو يعاقب ؟ بل الأدهى من ذلك، كيف يمكن لعاقل أن يفهم أن الإنسان يقوم بملايير القرارات التي تنتج بالصدفة وتكون غالبيتها صحيحة ؟ ما احتمال وقوع ذلك صدفة ؟ علما أن نسبة نجاح كل قرار بشكل عشوائي هي 1 على ما لانهاية أي 0+ [يؤول إلى الصفر] فبينما تقود سيارتك وفق المفهوم الإلحادي فإن تلك التفاعلات الكيميائية في دماغك والتي تحدث بشكل عشوائي هي المسؤولة عن قرارك في القيادة بشكل آمن وإلا فلو التقى عنصر كيميائي مع عنصر آخر فقد تقوم بقلب السيارة دون سبب، أو الخروج من الطريق، أو القفز من السيارة، فبقاءك على الطريق الصحيح راجع إلى أن تفاعلاتك الكيميائية كلها وبالصدفة كانت تصب في مصلحتك، كل هذا ليهربوا من إثبات وجود العقل الروحي.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: الإلحاد والرد على الشبهات

الملحد على الطريقة المدخلية

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما تناقش الملحد العربي تحسّ أنك تناقش ملحدا بعقلية شخص مدخلي "ولكن فقط مع استبدال الأسماء والرموز والأفكار". 1 _ تناقش الملحد فيقول لك: قال العلماء،…

جوابي على سؤال الملحد الربوبي

الإلحاد والرد على الشبهات

النظرية تعارض فكرة الأديان عن خلق الإنسان ولا تعارض فكرة وجود خالق ربوبي لكن دوكينز ومن معه يستدلون بها على نفي الإله بالكلية. أما الخالق الربوبي فيؤدي…

جوابا على اعتراض الملحد المصور أدناه

الإلحاد والرد على الشبهات

قبل الجواب أحب التنويه على أن مثل هذا السؤال الساذج والغبي من هذا الملحد المجهول ما كنت لألتفت إليه أو أعيره اهتماما لو صدر منه وحده ولكن سبق لي سماع هذا…