لا تصح رواية اذهبوا فأنتم الطلقاء

الحديث وعلومه

من الروايات التي اشتهرت ولم تصح رواية ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) عند فتح مكة.

قال الحافظ العراقي -رحمه الله-: ((رواه ابن أبي الدنيا في كتاب العفو وفي ذم الغضب، ومن طريقه رواه ابن الجوزي في الوفاء وفيه ضعف)) [تخريج أحاديث إحياء علوم الدين 3/308]

وقال الشيخ الألباني رحمه الله (( وهذا سند ضعيف مرسل. لأن شيخ ابن إسحاق لم يدرك أحدًا من الصحابة، بل هو يروي عن التابعين وأقرانه، فهو مرسل أو معضل)) [سلسلة الأحاديث الضعيفة 3/308]

#قلت_صهيب:

#أولا_من_حيث_الإسناد: ((قال ابن هشام: حُدثت عن ابن إسحاق قال: وبُحِثت عن الزهري)).

وعبارة (حُدثت عن ابن إسحاق) (بُحثت عن الزهري) تعني عدم السماع من الراوي مباشرة وإنما عن طريق واسطة لم يذكر اسمه.

وفي مدار الأحاديث رواة من الشيعة إضافة إلى الانقطاع أشهرهم الواقدي الرافضي الكذاب وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، قال عنه النسائي ويحيى بن معين (رافضي جهمي، متروك الحديث) وهذان ممن وصفا بالتشيع الرافضي والكذب.

وأما ما رواه البيهقي بسند بصري صحيح فقا ((أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا سلام بن مسكين، ثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه....)) فليس في الحديث عبارة ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) وإنما فيه قوله صلى الله عليه وسلم ((فخرجوا فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام)) ثم قال البيهقي ((زاد فيه القاسم بن سلام بن مسكين، عن أبيه بهذا الإسناد، قال: ثم أتى الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب، فقال: ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم حليم رحيم؟ قال: وقالوا ذلك ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقول كما، قال يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}، قال: فخرجوا كأنما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام))

قلت صهيب وهذا ليس فيه (اذهبوا فأنتم الطلقاء) بل فيه دليل على أن الله غفر لهم ما كان منهم قبل الإسلام لقول النبي لهم (اليوم يغفر الله لكم) ولا شك أن النبي ما كان ليتجرأ على الإخبار بمغفرة الله لهم ما سبق إلا لأن الله أخبره بذلك.

ثم تابع البيهقي فقال ((وفيما حكى الشافعي ، عن أبي يوسف في هذه القصة أنه قال لهم حين اجتمعوا في المسجد : ما ترون أني صانع بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، قال الشيخ : وإنما أطلقهم بالأمان الأول الذي عقده على شرط قبولهم ، فلما قبلوه ، قال : أنتم الطلقاء ، يعني بالأمان الأول ، والله أعلم)).

قلت صهيب: هنا ذكر البيهقي رواية (الطلقاء) ولكن سندها غير السند الأول فهنا يقول (وفيما حكى الشافعي عن أبي يوسف) إسناد منقطع وليس متصلا فأبو يوسف ولد سنة 113 هجري والنبي صلى الله عليه وسلم وفتح مكة كان في 8 هجري أي بينه وبين القصة 105 سنوات ولم يذكر سندا متصلا إلى الرواية وحتى عبارة (حكى الشافعي عن أبي يوسف) ليست من العبارات التي تفيد سماع الشافعي عن أبي يوسف بل الثابت أن الشافعي لم يلق أبا يوسف لوفاة أبي يوسف في 182 هجري بينما لم يدخل الشافعي بغداد أول مرة إلا سنة 184 هجري أي بعد وفاته بسنتين وإنما لقي الشافعي تلاميذ أبا يوسف لا أبا يوسف نفسه وأما الرواية التي ذكرت لقاء الشافعي بأبي يوسف فإنها مكذوبة كما ذكر الذهبي وابن كثير وابن حجر العسقلاني وعلة إسنادها أن راويها ((عبد الله بن محمد البلوي)) وضّاع للحديث كما اتهمه الدارقطني وغيره، إضافة لاستحالتها تاريخيا وهي وفاة أبي يوسف قبل دخول الشافعي إلى بغداد.

وما ورد في الصحيحين من قول بعض الأنصار ((يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الطلقاء ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم)) فهذا ليس قولا للنبي صلى الله عليه وسلم بل هو اعتراض من بعض الأنصار على النبي صلى الله عليه وسلم (ولا يصح الاستدلال بالاعتراض على النبي فهو ليس قولا نبويا بل هو نقيض ذلك) وحتى قائلوه ليسوا من كبار الأنصار ففي الحديث نفسه قال الأنصار لما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((قال أنس: فَحُدِّثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم أحداً غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟»، فقال فقهاء الأنصار: «أمّا رأينا يا رسول الله فلم يقل شيئاً، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشاً ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!)) فلا يحتج بالحديث وإن كان في النفس من الحديث بسياقه كله شيء ولكن على فرض صحته فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء) إنما هو حديث بعض حدثاء الأسنان (الشباب الصغير) من الأنصار قالوا هذا ولم يرض به فقهاؤهم وفي تتمة الحديث ما قلت أن في النفس منه شيء لا في أوله.

#ثانيا_من_حيث_المتن:

1 _ لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة باتفاق مع أبي سفيان ونص الاتفاق (أن يسلم أهل قريش مكة للنبي صلى الله عليه وسلم ويبايعوه دون مقاومة أو قتالٍ مقابل أن يؤّمنهم على حياتهم وأموالهم) وبنص هذا الاتفاق دخل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مكة دون أن يقاتلهم أحد من كفار قريش آنذاك، ورغم أن الغلبة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو حصل بينهم قتال إلا أن ذلك كان ليكون بعد مقاومة شرسة وسقوط العديد من الضحايا من الجانبين.

ومنه: فكفار قريش آنذاك لم يقعوا أسرى بيد النبي صلى الله عليه وسلم ليطلقهم أو لا يطلقهم، ولم يصبحوا عبيدا له ليعتقهم أو يطلقهم ولا وقعت بينهم معركة فاستسلموا فأطلقهم وإنما كان اتفاقا كما اتفق الحسن بن علي مع معاوية على أن يسلّمه الخلافة بعدما حاصر معاوية الكوفة وكان قادرا على الانتصار فيها وأخذ الخلافة بنفسه إلا أن التسليم له بالخلافة يحقن كثيرا من الدماء فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قبل من أبي سفيان عرض تسليم الحكم في مكة دون قتال حقنا للدماء كما قبل معاوية من الحسن عرض تسليم الحكم دون قتال فلا يصح أن يكون أبو سفيان ومن معه من الطلقاء وقد أعطى بيده طوعا وتنازل عن حكم مكة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قادرا على القتال وعدم التسليم حتى آخر رمق (مع أنه سيُهزم في نهاية المطاف ولكن لا تكون هزيمته مجانية) فلا يكون من الطلقاء بعد ذلك كما لا يصح أن يسمى الحسن بن علي بأنه من طلقاء معاوية وقد كان التنازل من طرفه حقنا للدماء ولولا هذا الشرط لقاتل إلى النهاية.

بعبارة أخرى: الأمر أشبه بأن تكون محتاجا للمال فتبيع منزلك بثمن رخيص ثم يقال لك بعد أخذ المنزل (خذ هذه الصدقة، أي المبلغ المقابل للمنزل) فليس هذا منطقيا في شيء فتلك لم تكن صدقة وإنما ثمن شراء منزلك وإن كنت مضطرا لبيعه، فكذلك كان أبو سفيان حاكما على مكة التي كان عدد سكانها ألوفا ناهيك عن وجود قبائل أخرى يمكن التحالف معها إلا أن مسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في 10 آلاف مقاتل جعلهم يعلمون أن الهزيمة حتمية إذ كيف يمكن ردع 10 آلاف مسلم وليس هناك وقت لجمع جيوش من الحلفاء كما أن تلك التحالفات قد ضعفت وتضعضعت ولم يكن ممكنا إلا تجهيز ألفَي مقاتل أو 3 آلاف على أقصى تقدير، وإن كان المسلمون قد غلبوا المشركين حيث كان المسلمون 300 والمشركون ألفا فكيف إذا صارت النسبة عكسية فيصبح المشركون 3 آلاف والمسلمون 10 آلاف وإن لم يكن كل المسلمين آنذاك بجودة مقاتلي معركة بدر فتلك 300 من صفوة الصفوة إيمانا وجَلدا ومع ذلك فالنتيجة محسومة لصالح المسلمين وهذا أمر مفروغ منه ولكن يبقى السؤال: لو كان المشركون يعلمون أن النبي سيتخذهم أسرى ليفعل بهم ما يشاء (إما قتلهم أو استرقاقهم وتحويلهم إلى عبيد) فهل كانوا ليعطوه مكة دون قتال ؟ لا أقل عندها من أن يقاتلوا فإذا قتل كل رجل منهم رجلا من المسلمين فقد قتلوا 3 آلاف مسلم والمقاتل اليائس من الحياة قد يقاتل بشراسة أكبر من المقاتل الطالب للنصر.

ولكنهم استسلموا أساسا مقابل ذلك الأمان الذي أعطاه لهم رسول الله فهل يعقل بعد كل ذلك أن يجمعهم ليقول لهم (ما تظنون أني صانع بكم ؟) مجرد هذه العبارة تعني نقض العهد (الاستسلام مقابل الأمان وبعد الاستسلام وإعطاء عهد الأمان يسأل: ماذا تظنون أني صانع بكم ؟) فلو صنع بهم شيئا لكان ناقضا للعهد وما هذه بأخلاق العرب فضلا عن أخلاق المسلمين فضلا عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق وينشر الحق والعدل.

فقارنوا بين هذه الرواية التي وردت بأسانيد منقطعة ومتنها واضح النكارة بالحديث الصحيح الذي رواه البيهقي والذي نقلته في أول المقال حيث قال فيه: ((فقال: ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم حليم رحيم؟ قال: وقالوا ذلك ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقول كما، قال يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}، قال: فخرجوا كأنما نشروا من القبور))

نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((ما تقولون وما تظنون؟) ولم يقل (أني فاعل بكم).

ثم كان جوابه ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)) أي أن السؤال عن المصير الأخروي، فقد أعطاهم الأمان سلفا في الدنيا ولكنهم لما بايعوه على الإسلام أو أرادوا بيعته على الإسلام سألهم (ما تقولون وما تظنون) ؟ أي هل تتوقعون بعد كل كفركم وحربكم على الإسلام أن يُغفر لكم عند الله ؟ فقالوا (أخ كريم وابن أخ كريم رحيم) ليستشفعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند الله ليقبل توبتهم ودخولهم في الإسلام فكان جوابه الصحيح ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)) وهذا هو الأصح وليس (اذهبوا فأنتم الطلقاء)) وكأنهم أسرى حرب قبض عليهم والسلاح في أيديهم.

وقد يقول قائل: فهل ينطبق هذا على أهل السنة عندما استردوا سوريا من النظام العلوي النصيري صاحب الجرائم في صيدنايا ؟ فأقول: هذا لا ينطبق عليهم لأنه لم تتم مع بشار الأسد أي اتفاقية سلام أو أمان وإنما فرّ في آخر لحظاته إلى روسيا وترك أتباعه لمصيرهم المجهول وأولئك استسلموا وألقي القبض عليهم (والاستسلام في الحرب يجعل المستسلم أسيرا بخلاف المعاهدة على الأمان قبل الحرب) فعندها يصح أن يقال لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ولا يصح هذا في أبي سفيان ومن معه يوم فتح مكة إذ كان صلح الحديبية بينهم قائما ثم قام بعض القرشيين بالإعانة على خزاعة فنقض بذلك الصلح فأراد أبو سفيان أن يجدده أو يطيل في مدته فأبى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إلى أن عرض عليه أبو سفيان تسليم مكة وأعلن إسلامه أمامه فقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم.

كتبه #صهيب_بوزيدي

May be an image of ‎text that says '‎ज lona مقأله الطلقاء هذا الحديث لا يصح‎'‎

من نفس الموضوع: الحديث وعلومه

شبهة همّ النبي بالانتحار

الحديث وعلومه

كيف يهم النبي بالانتحار والانتحار محرم شرعا ؟ مناط الشبهة هو جزء من حديث طويل في صحيح البخاري والشاهد منه ((وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه…

لا يصح في أحاديث السفياني شيء

الحديث وعلومه

لا يصح في أحاديث "السفياني" بهذا الاسم شيء وإنما كلها من روايات الشيعة الإثني عشرية في مصادرهم أما في مصادر أهل السنة فهي روايات وصفها المحققون بالمكذوبة…