شرودٌ لشيبَة
سقطت مني شيبَةٌ فصورتها بهاتفي ثم خطر على بالي المحدث المصنف (أبو بكر بن أبي شيبة)
ثم استوقفني هذا النص من ترجمته في سير أعلام النبلاء للذهبي ((قال إبراهيم نفطويه : في سنة أربع وثلاثين ومائتين أشخص المتوكل الفقهاء والمحدثين ، فكان فيهم مصعب بن عبد الله الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي ، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ، وكانا من الحفاظ . فقسمت بينهم الجوائز ، وأمرهم المتوكل أن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية ، قال : فجلس عثمان في مدينة المنصور ، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا ، وجلس أبو بكر في مسجد الرصافة ، وكان أشد تقدما من أخيه ، اجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا))
قلت صهيب: وبالرغم من أن الرد على الجهمية والمعتزلة حق كما أن الحافظ ابن أبي شيبة ثقة إلا أن العاقل يدرك ويلاحظ مدى قوة تأثير السلطان في تغيير عقائد الناس، فالمتوكل هو الملك العباسي الذي حكم بعد أخيه الواثق بالله الذي كان يدعو للاعتزال ويجبر الناس عليه بل ويقتل من لا يلتزمه وقد حكم من قبله والدهما المعتصم بالله الذي عذّب الإمام أحمد وجلده بنفسه بالسوط ومن قبله أخوه المأمون الذي كان الأول في نشر الاعتزال وإكراه العلماء عليه.
في الوقت الذي كانت تُقطف فيه رؤوس من يرفضون القول بمقالة الجهمية والمعتزلة أكنتَ تجد ثلاثين ألف رجل يلتفون حول عالم يحدثهم بأحاديث يرد بها على الجهمية وثلاثين ألفا آخرين حول عالم آخر يحدثهم بذلك ؟ أين كانت هذه الجماهير الغفيرة ؟ حتى زعم الجهمية والمعتزلة الإجماع على مقالتهم لما أرهبوا به الناس وأسكتوهم ثم انقلبت الآية بانتقال الحكم من حاكم معتزلي إلى أخيه السني تماما كما انقلبت أول مرة بعد موت هارون الرشيد وولده الأمين من العقيدة السنية إلى المعتزلية.
لذلك أقول: لم يكن الحق يوما لذاته منوطا بالجماهير والكثرة فإن غالبية الناس على دين ملوكهم واليوم أقول: على دين مشاهيرهم والمشاهير أنفسهم على دين عوامهم (المشهور يقول ما يقرره العوام حتى لا ينكروا عليه والعوام يتبعون من يقول ما يعرفونه حتى يقبلوا به فصار المشهور يدعو لنفسه لا لله والعامي لا يطلب العلم ليعرف الجديد بل يطلب من المشهور أن يكرر له ذكر القديم الذي يعرفه وبهذا عم الجهل وذهب صوت المنطق ليُستبدل بصوت "الترند" و"الشهرة" حاش من لا ينطبق عليه هذا الكلام وهم قلة من الناس
ألم نكن في شيبةِ لحيتي ؟ فانظروا أين وصلنا، هكذا يكون شرود الذهن عندي.
بقلم #صهيب_بوزيدي


