شذرات نادرة من قصة أصحاب الفيل

#تنبيه: النقطة الرابعة فيها ما يعزز اليقين بالله بالنسبة لنا.

#المقال:

1 _ أضخم فيل استعمله أبرهة الحبشي في غزوه للكعب بغية هدمها اسمه "محمود"، ولما وصل للكعبة همس نفيل بن حبيب في أذنه وقال له "ابرك محمود" فبرك ولم يرد هدمها وقد نخزوه بالرماح حتى أدمَوه ليفعل فما فعل ثم وجهّوه في كل الجهات المخالفة للكعبة ففي كل مرة يهرول راجعا حتى إذا وجهوه نحو الكعبة برَك، وإني أتعجب من هذا الفيل الغريب فاسمه "محمود" قريب من اسم النبي صلى الله عليه وسلم "محمد" وفِعله وتصرفه كأنه من فعلٍ كائن عاقلٍ مؤمنٍ وليس مجرد حيوان يقاد فيفعل ما يشاء.

والأغرب من هذا كيف عرف نفيل بن حبيب اسم الفيل ؟ وكيف علم أنه لو قال له (ابرك محمود) سيبرك فعلا علما أنه كما يظهر للناس هو مجرد حيوان لا يفهم لغة البشر وإن فهم فالأولى أن يستجيب لأصحابه الذين جاءوا به لا للجهة المقابلة التي جاء ليهدم بيتهم المقدس، هل كان نفيل بن حبيب يعلم سلفا بشأن الفيل ؟ هل هناك من ألهمه ؟ لا شك أن في المسألة ما يتعلق بالخوارق.

2 _ كان أبرهة الحبشي أحد قائدَي جيش النجاشي الذي أرسله لنصرة من بقي من أصحاب الأخدود ضد من قتلهم لما بينهم من اشتراك في الدين المسيحي.

3 _ قول عبد المطلب لأبرهة ((للبيت ربٌّ سيمنعه)) جعلني _صهيب_ أفكّر مليًّا وأتساءل (من الذي أخبر عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سيمنع البيت الحرام من جيش أبرهة ولماذا كان واثقا كل تلك الثقة ؟ الشائع أن عبد المطلب لم يكن على دينٍ سماوي معين ليكون في كتابه المقدس إخبار بهذه القصة قبل أن تقع فآمن بها لما بدت أماراتها، ولم يكن نبيا ليأتيه الوحي فيطمئنه بذلك. أيا كان السبب فإن في الأمرِ ما يدعو الإنسان للتفكير مليا في هذا الأمر، هناك حلقة ناقصة فيما وصلنا من معلومة حول هذه القضية، لماذا علمَ يقينا أن الله سيمنع جيش أبرهة بمعجزة خارقة دون الحاجة لقتالهم ؟ من أخبره ؟ لا بد أن وراء الأمر ما يتعلق بالخوارق، فالخارقة ليست مقتصرة على ما فعلته الطير الأبابيل فحسب، وإنما تشمل علم عبد المطلب بذلك قبل وقوعه مع أنه ليس بالأمر المتوقع واقعيا.

4 _ قصة أصحاب الفيل وقعت في العام الذي وُلد فيه النبي صلى الله عليه وسلم وقد شهدها كل أهل مكة إذ خرجوا جميعا إلى الجبال ورأوا ما فعلته الطير بأبرهة وجنده، والنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر لهم الآية لم يحدث قريشا عنها وكأنهم لا يعرفونها وإنما قال الله ((ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل . ألم يجعل كيدهم في تضليل . وأرسل عليهم طيرا أبابيل . ترميهم بحجارة من سجيل . فجعلهم كعصفٍ مأكول)).

وذلك لأن أهل مكة المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم يعرفون تلك القصة، بل منهم من شهدها بنفسه "من كان سنّه فوق الأربعين يوم البعثة" وأما من لم يشاهدها بنفسه فلا أقل من أن يسمعها من أبيه أو جده، فهذه كانت قصة معروفة عندهم كما هو معروفٌ عندنا قصة استعمار فرنسا للجزائر والثورة وتحرير فرنسا فما من جزائري وُلد في الاستقلال سنة 1962 إلا وكان قومه الذين يخاطبهم بعد 40 سنة من عمره إما ممن شهدوا الاحتلال بأنفسهم وإما ممن عرفوا من شهده فهذه حكاية فاقت التواتر قوة.

وهذه بالنسبة لي دلالة للعاقل المتدبر على أن هذه القصة لم تكن محل نزاع بين أهل قريش المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم شاهدوها أو شاهدوا من شاهدها والعاقل يجد في هذا الاستنباط دليلا إضافيا على وجود هذه المعجزة حتى وإن لم يسلم بعد بصحة النبوة إذ الشاهد من ذكرها في القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم على الأقل ذكرها لأهل مكة يحاججهم بها وما كان ليفعل لولا أنه يعلم إقرارهم بصحة القصة وما كانوا ليقروا بصحة القصة إلا لأنها وقعت إذ لو لم تقع لجاء من عمره يناهز 60 أو 70 أو حتى 80 و90 ليقول له (يا محمد إن الحكاية التي تقول بأنها وقعت يفترض أنها حصلت وعمري مثلا 40 سنة أو 30 سنة أو 20 سنة ولو أن حدثا عظيما كهذا وقع في مكة لرأيته، وكذلك من لم يكن كبيرا في السن كان ليقول: لو أن حدثا كبيرا كهذا وقع وشهده الناس لحكاه لنا آباؤنا.

ولكنهم لم يعترضوا لأنهم يعلمون أن فريقا منهم رأى ذلك بعينه والفريق الباقي سمعه من كل من يكبرهم سنا من الجيل الذي سبقهم (آباؤهم أو أجدادهم أو من بقي من الأحياء منهم) فحادثة كهذه ما كانت لتفترى أمام أعين كل الناس فهذا أشبه بأن يقال (لم يكن هناك احتلال فرنسي ولا استقلال للجزائر، فنحن لم نشهد ذلك بأعيننا) ولكننا نعلم أننا شهدنا من شهده وإننا نسأل أي جزائري فإما أن يكون مولودا قبل 1962 فيحدثنا برؤيته الاحتلال ويقر به (ولا أعني تفاصيله بل الحدث الأكبر وهو الاحتلال والاستقلال نفسه) وإما أن يولد بعد 1962 فعندها سيرويه عن أبيه أو جده أو كبار السن من جيرانه ومن كل مكان يذهب إليه في الجزائر فهكذا كانت معرفة قريش بقصة أصحاب الفيل مما يطمئن القلب على ثبوتها بنفس الطريقة التي سبق لي استعمالها في الكلام عن حادثة شق القمر.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: التاريخ والتراجم

أراد أن يستدل على الحجاج فاستدل له

التاريخ والتراجم

في حوار قال لي: إن الحجاج كان يقتل بالشبهة والظن فطالبته بالدليل فنسخ ما ترونه في الصورة وكان هذا ردي عليه: سأتوقف عن محاورتك هنا فإنك لا تدري ما تنقله من…

الدفاع عمن لا مدافع له

التاريخ والتراجم

قال وهو يمازحني: ألا ترى يا صهيب أنك تدافع عن كل من حطّ عليه كل الناس عبر التاريخ ؟ كان الناس يختلفون في معاوية أهو مخطئ اجتهادا أم مخطئ ظلما فجئت تقول…