خواطر شخصية حول غزة

كنت أقول في شأن غزة (والله لا أدري ما أفعل) فصرت أقول (والله لا أدري ما أقول).

حتى الكلام لم يعد هناك جديد لنقوله ولم نستفد شيئا من قول القديم لنقول الجديد.

فاعذروني إن لم أغطِّ هذه الأحداث، فأنا إنسان تعودت في الحياة العامة على المبادرة إلى حل المشاكل لا مواساة أصحابها، إلا أنها مشاكل فردية في دائرة مغلقة وضيقة جدا في نطاق القدرة والإمكان مما هو أضيق من ضيق الدائرة نفسها، بل وقد يقع الإنسان نفسه في مشاكل تصيبه بشكل مباشر ثم يقلب كفيه فلا يجد لها حلّا فكيف يحلّ أزمة دولية وعالمية إلا أنه يريح بعض ضميره ويقول (على الأقل تكلمت) وما هي سوى خدعة نفسية لإراحة الضمير وإلا فالواقع يشهد أننا ننام في أمنٍ واستقرار تمضي كل حياتنا بشكل عادي، نلتقي الأصحاب والأحباب فنضحك ونمزح وبين هذا وذاك يستحضر المرء عبارة (نافق حنضلة) فيعود للحزن والبكاء تارة ثم ما يلبث إلا أن يخرج نفسه من هذا الجو خوفا على عقله من التّلف أو على نفسه من الهلاك مستحضرا قول الله ((لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها)) وبين هذا وذاك تفرّ النفس من رؤية ما قد يدخلها في اكتئاب حاد وإن بدا للعقل أن قوته وإدراكه وعلمه أقوى من أن يصاب بالجنون لأجل شيء كهذا، وإن حدث وصار الإنسان مجنونا لشدة الحزن فما زاد إلا عدد ضحايا العدو فأهداهم ضحية جديدة مجانية لم يخسروا لأجلها ولو رصاصة واحدة.

العقل يحاول الابتعاد عن هذه الأجواء لكنه يراها أمامه في كل مكان، لنشاهد مسلسلا نروح به عن أنفسنا (وإذا بنا نقع على مسلسل تاريخي يحكي أمجاد الماضي وقوة المسلمين فيستحضر العقل فورا حال اليوم فينهار أكثر مما كان حاله وهو يشاهد ما يجري في الواقع) فنفرّ من المسلسلات للأنميات اليابانية، سنجد فيها ما ينسينا هذا الهم بلا شك، وإذا بالمظلوم يكاد يهلك على يد الشرير في الأنمي حتى يأتي البطل لينقذه ويفرح الجميع بالنهاية السعيدة فأستشف ذلك في واقعنا فأقول أين البطل الذي يصنع مثل هذه النهايات السعيدة ؟ فيعود حزني كما كان.

أبتعد عن كل ذلك وأخرج لألاقي الناس ولا أود الحديث عن هذا الأمر فأشغل نفسي بمشاكلي الحصرية من مشاكل الدنيا والرزق والأمراض والواجبات والنوازل الفردية وفي اللحظة التي تعمل على حلّ هذه العقد تتخيل أن سلسلة من الصواريخ تنزل على المدينة فتنسف كل شيء فلا أبقت رزقا ولا من نعمل معه الواجب ولا من نأخذ منه الحقوق وأقول: أهذا ما يعيشه أهل غزة ؟ فنعود لنفس الحلقة التي ننام كل ليلة وننهض وليس بيدنا شيء نفعله إلا أن ننتظر توقف هذه الحرب إما بفناء أهلها جميعا وراحتهم من هذا العذاب وإما بحل الموضوع والقبول بتهجيرهم لفك معاناتهم وإما بأن ينهض جزء من أصحاب القوى الكافرة ليقولوا للمحتل كفى فقد بالغت وشوهت سمعتنا التي سعينا قرونا لتلميعها.

بين العواطف المختطلة أحب النصر لغزة ولكني لا أحب توريط غيرها من بقاع المسلمين بما لا ينفع، أحب أن يُنصر المسلم ولكني لا أحب أن نزيد من أعداد الضحايا بلا فائدة، نريد تدخلا يعلي حقا ويقمع باطلا ولا نريد تدخلا يوسّع من مجال المعاناة وبؤر التوتر، جانب مني يقول: لعل التدخل لو حدث لأوقف كل المعاناة والجانب الآخر يقول: ولعله يزيد توسيع نطاقها.

وبين هذا وذاك أرجع إلى واقعي فأقول: بعيدا عن التفكير بدلا عن الأمة كلها، فعلى مستواي الشخصي ليس عندي ما أقوله أو أفعله غير ما كان وأظن أني لو عشتُ في الجزائر في الأعوام ما بين 1830 إلى 1917 ميلادي يوم كانت الجزائر محتلة وكانت فلسطين حرة لعذرتُ الفلسطينيين على عدم تدخلهم المباشر بشن الحرب على العدو الذي كان يحتلنا.

فالتدخل إما أن يكون موحدا بين كل قوى الخير في العالم وإنا أن يكون بيد قوة واحدة قوية تعادل على الأقل نصف قوة العدو كما ورد في القرآن ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين))

فأقول أسأل الله أن يهدي المسلمين إلى الإصلاح بدل الإفساد واليقظة بدل الغفلة والتطوير بدل التخلف والتدمير ولم الشمل بدل التفرق واتحاد الحكام والجيوش والشعوب على رأي واحد ومسيرة واحدة واعتصامهم بحبل الله الواحد بدل التفرق والتشتت ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)) ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)) وليطوروا العلوم والاختراعات ويسابقوا الأمم فإننا في زمن القوة فيه للأعلم والأذكى والأشد تعبا وعملا وإنجازا.

لا أقل من أن تصبح الأمة قادرة على صناعة سلاح وتكنلوجيا تخصها.

والله المستعان.

بقلم #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: قضايا الأمة والسياسة

المؤامرة الإسلامية ضد الصهيوأمريكية

قضايا الأمة والسياسة

بعد أن بذلت العلمانية وسعها في السخرية من نظرية المؤامرة الصهيوأمريكية على المسلمين حتى نجحت في ذلك فإذا بالنظرية تنقلب إلى نظرية صهيوأمريكية تتهم الإخوان…

التباس السياسة

قضايا الأمة والسياسة

في السياسة لا يُحسن الناس قول الحق ولا يعرفون إليه سبيلا وذلك راجعٌ لعدة أسباب: 1 _ تأثير الخوف. 2 _ تأثير المطامع والمصالح. 3 _ ذاكرة الذبابة. 4 _ الغلو…