جواب الرسالة الثامنة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بداية أشكرك على حسن ظنك بي وإعجابك بما أكتبه أما بعد فهذه أجوبتي على ما ذكرتَه من مؤاخذات علي:
#جواب_الاعتراض_الأول: لستُ أقول بعدم وجود طائفة منصورة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم)) وهناك حديث ((وتفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)) وإنما الطائفة المنصورة في فهمي هم الناس الذين التزموا بتعاليم الإسلام وبحثوا عن الحق وحاولوا الإذعان لله عز وجل سواء كانوا من السلفيين أم الأشاعرة أم الماتريدية أم من غيرها من الفرق والجماعات، أما أن تكون الفرقة الناجية عبارة عن حزبٍ معين له اسمه وشعاره ورموزه فهذا يدخل في قول الله ((ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)) وقد حاول المداخلة إسقاط هذه الآية على الأحزاب السياسية رغم أنها تكلمت عن التحزب الديني لا السياسي، ونسوا أن أصل الآية التحذير من تفريق الدين إلى أحزاب وشيع [فِرَق] كل حزب [فرقة] بما لديهم فرحون [كل فرقة تقول أنا الفرقة الناجية وفرحة بما عندها وتعتبر بقية الفرق هالكة] فهذا هو المنهي عنه، وليس عدم التحزب معناه عدم تبني أي رأي في المسائل الخلافية وإنما أن تؤخذ الآراء جملة واحدة كأن يقول بما أني سلفي فيجب أن آخذ بكل ما قال به السلفيون فإن حرّموا شيئا أحرمه وإن بدّعوا شيئا أبدعه وإن اعتقدوا أمرا اعتقده، بالرغم من أن تلك المقررات قد لا تكون صحيحة حتى وِفق التأصيلات التنظيرية للسلفيين أنفسهم فقد يخالفون أصولهم عند التنزيل، فعلى أي أساس حكمتَ على الفرقة بأن كل ما تقرره هو الحق ؟ ونفس الشيء ينطبق على الأشاعرة، إن اقتنعت أنهم أصابوا في بعض المسائل التي اختلفوا فيها مع السلفيين فهل هذا يعني أنهم مصيبون في كل ما بقي من المسائل دون الحاجة إلى مراجعتها والتحقق منها ؟ ولو اعتبرنا أن السلفية هي الفرقة الناجية فهل يعني ذلك أن كل من انتسب لهذه الفرقة صار ناجيا ؟ وكل من لم ينتسب إليها نضمن له دخول النار ؟ وإلا فنجاته من ماذا تحديدا ؟ في المقابل فقد يدخل الجنة الأشعري والماتريدي والسلفي وغيرهم إن عملوا صالحا والمخطئ الذي أراد إدراك الحق معذور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)).
#جواب_الاعتراض_الثاني: أما مسألة الأسماء والصفات فأحب إخبارك بأني كتبت فيها عشرات وربما مئات المقالات انتصرت لما أراه حقا بالأدلة النقلية والعقلية وكونت بعض التلاميذ الأقوياء في هذا المجال ومنهم من درّستهم لمدة سنوات ولو نظرت لانشغالي العلمي بهذه المسألة لكان من مصلحتي أن أجعلها أعظم وأهم مسألة في الدين لأني أعتقد أني فاهم ودارس لها بإتقان وإحكام من أولها إلى آخرها.
ولكن السؤال الأهم، عندما نتكلم عن العقيدة فإن كلامنا لن يخرج عن أركان الإيمان الستة، فالإنسان المؤمن هو من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره.
فأين نصنّف قضية الأسماء والصفات في هذه الأركان ؟ يمكن تصنيفها تحت ركنين [الإيمان بالله، وكتبه] وذلك لأننا سنتكلم عن صفات الله ونتكلم عما ورد عن صفات الله في القرآن الذي هو أحد الكتب السماوية وهو الكتاب الذي أنزل إلينا.
عندما نتكلم عن الإنسان المسلم فإن الله كلّفه أن يؤمن به ويصدّق بكل ما ورد في القرآن [وهذا يتفق عليه السلفيون والأشاعرة وكل المسلمين] فكل هؤلاء يتفقون على أن الله متصف بكل ما ورد في القرآن والسنة فهنا يؤدون ما عليهم، أما محاولة فهم معاني تلك الصفات تحديدا فقد يصيب الإنسان في فهمه وقد يخطئ، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش فترة النبوة لمدة 23 سنة ولم يعقد يوما للصحابة درسا في باب الأسماء والصفات ليكلمهم عن التفاصيل التي يتناقش فيها الأشاعرة والسلفيون من بعده، ولم يخبرنا بأن اختبار الله لعباده قائم على معرفة تفاصيل تلك المعاني وإنما المطلوب منا الإيمان بها، ولعل جل المسلمين لا يعرفون معاني بعض الآيات التي وردت في غير الصفات فهل يكونون من الكفار ؟ فقد وردت ألفاظ في القرآن لا يعلمها إلا أهل العلم والدارسون للغة والتفاسير مثل ((فليبتّكنّ آذان الأنعام)) و((وما يجحد بآياتنا إلا كل ختّارّ كفور)) و((ترهقها قترة)) و((تتبعها الرادفة)) و((والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكرا)) فهذه الآيات يمكن معرفة تفاسيرها عند قراءة أي كتاب في التفسير ولكن جل الناس لا يعرفون معاني هذه الكلمات فهل هم لي النار ؟ إنما يثبت الإيمان بالتصديق والإذعان فهم يؤمنون بأنه كلام الله وهو صدق أما معرفة المقصود منه فإنه من زيادة العلم وليس داخلا في الإيمان والكفر.
#جواب_الاعتراض_الثالث: قولك ((وأظن أن سبب كرهك للمداخلة أنك كنت منهم فهو رد فعل نفسي)).
وجوابه: من قال لك إني كنت مدخليا ؟ لم أكن في حياتي مدخليا ولو للحظة في حياتي، إنما كنت سلفيا وسبب دخولي في السلفية أني كنت أقرأ لابن تيمية وابن كثير وابن القيم قبل دخولي في السلفية وكنت متبنيا لكثير من أفكارهم خاصة في الأسماء والصفات فلما علمت أن السلفيين يقولون بأقوال هؤلاء في الصفات صرت سلفيا وهنا كانت الغلطة، حيث ظننت أن موافقتي لهم في الصفات تلزمني بموافقتهم في كل المجالات والمسائل ولكني سنة 2016 علمتُ أن اعتقادي في الأسماء والصفات لا يلزم منه أن أسمي نفسي سلفيا ولا أن أوافقهم في كل شيء فتراجعت عن التسمي بالسلفية وفضلت البقاء مسلما أقول قناعتي في كل مسألة بعيدا عن التحزب لأي جماعة.
ومن الجدير بالذكر أني في فترة مضت سمعت ثناء بعض المشايخ السلفيين على ربيع المدخلي وغيره فحسبته عالما سلفيا لفترة قصيرة فصرت أقول [هو على الحق ولكني أخالفه في التجريح] ولكني كلما حاولت القراءة له والسماع لما يقوله وأبناء طائفته كلما تأكدت من انغماسهم في الضياع والبعد عن فهم الشريعة الإسلامية الحقيقية، وعندها أدركت أن خطرهم يكمن في عدم وجود من يتصدى لهم [آنذاك] فبادرتُ لذلك ولا أزعم أني أول من رد عليهم ولكني رددت عليهم لما كانوا في أوج قوتهم وكان الرادون عليهم يداهنونهم ويضخمون منهم فلا يرد عليه إلا وهو يقول ((الشيخ ربيع عالم وفاضل وعقيدته صحيحة ولكننا نخالفه في التجريح)) أما أنا فكانت مشكلتي معه في أصوله المعرفية والمنهجية والدعوية لا في التجريح وحده.
لذلك فكلامك غير صحيح، كما أني لا أكره المداخلة أصلا وإنما أرى أن منهجهم باطل ويجب الرد عليه، أما الأشخاص فجلهم من الضحايا وأنا أكتب لكي لا يقع المزيد من الناس ضحية لهذا الفكر الخطير، لكني لا أكره أشخاصهم وإنما أشفق عليهم فحسب.
#جواب_الاعتراض_الرابع:
لا أذكرُ متى تكلمتُ عن الجويني ولمن بما أنك سألت عنه فإني بالفعل أعتبره إماما وموقفك هو المستغرب أخي لأن أئمة الإسلام قديما وحديثا يعتبرونه إماما فلستُ المتفرد بهذا الحكم، واعتباره إماما لا يعني موافقته في كل ما طرحه، ومخالفته في بعض المسائل الكلامية والفلسفية وحتى في باب الأسماء والصفات لا يعني أن ننكر إمامته وعلمه وفضله وهو من كبار أئمة المذهب الشافعي.
#جواب_الاعتراض_الخامس:
لقد كتبت في الرد على الأحباش عشرات المقالات [فكونك لم تقرأها لا يعني أنها غير موجودة أخي الكريم] ولازلت أقول إن الأحباش هم الوجه [الدا*عشي] للأشاعرة وهم أسوأ من المداخلة، بل يمكن اعتبارهم بتعبير أدق [الوجه الحدادي للأشاعرة] وقد سبق لهم أن كفروني كما كفروا شيخ الإسلام ابن تيمية، والذي أراه أن الأحباش أقرب إلى الجهمية منهم إلى الأشاعرة في حقيقة الأمر، ودائما أقول بأن الغلاة موجودون في الطرفين فكما يوجد المداخلة والحدادية والحازمية والدو*اعش في الطرف المنتسب للسلفية يوجد الأحباش ومن شابههم في الطرف المنتسب للأشعرية.
كتبه #صهيب_بوزيدي

