بين الفلسفة والتفلسيف
الفلسفة نوعان:
الفلسفة الحقيقية: وهي البحث في الموجودات والمعارف والأخلاقيات والعقليات بحثا متجردا ينطلق من طرح الأسئلة بحثا عن أجوبتها القطعية أو الظنية أو الإقرار بعدم الوصول إلى جواب معين.
والفلسفة الوهمية: هي اللف والدوران وهو ما يسمى بالعامية (التفلسيف) ويقال (وش داك تتفلسف؟) ويقال (تفلسف حمار فمات جوعا) ويقال (جاوبني بلا ما تتفلسف).
والحقيقة أني بعدما اطلعت على أقوال بعض المتكلمين في الفلسفة وجدتهم يستخدمون النوع الثاني فتسأله (هل تثبت القدر المشترك بين الخالق والمخلوق أم تنفيه؟) فيقول (أنفيه) فتسأله (إذا بما أن المخلوق موجود فالله عندك غير موجود) فيقول (أثبت القدر المشترك في لازم الصفة لا الصفة) أقول صهيب: هذه فلسفة بالمعنى الثاني، وذلك لأن لازم الصفة أساسا صفة فالمجيب هنا يلف ويدور ويتلاعب بالمصطلحات كي ينفك من الإلزام، طيب تتماشى معه وتسأله (أليست الصفة تدل على الموصوف؟) يقول بلى (أقول: وهل لازم الصفة يدل على الموصوف أم لا ؟ إن قلت لك نحن نتكلم عن القضية "أ" و"أ" موجود، أليست هذه دلالة كلية تميز "أ" عن المعدومات ؟ ولو قلنا "أ" حي أليست دلالة جزئية بالنسبة لكلية الوجود لتميز "أ" عن الجمادات والأموات ؟ ثم لو سألنا هل هذا الحي "عالم أو عليم" أليست صفة تميزه عن الأحياء الفاقدة للإدراك إما فقدانا كليا أو بنسبة كبيرة تجعل إدراكها يقترب من العدم ؟ فكل صفة لها صفة متضمنة فيها "هي الصفة الجزئية" وصفة لازمة لها (هي الصفة الكلية) إلا كلية الموضوع فهي الكلية الكبرى التي تندرج تحتها سائر الجزئيات (الوجود والعدم) وما تفرع عنهما.
لاحظتم أن الجواب على المتفلسف بالمعنى الثاني لم يكن صعبا ولكننا احتجنا في جوابه للخوض في بعض المسائل التي لا يفهم مصطلحاتها عامة الناس بينما كان السؤال مفهوما للجميع (هل كل صفة نتصف بها يجب ألا يتصف الله بأي قدر منها ؟ يلزمك نفي الوجود والحياة عن الإله لو قلت ذلك) كان الكلام واضحا ومباشرا ولكنه يقودك إلى لف ودوران حتى ولو فككته فلسفيا فإن المتابع غير المتخصص لا يستطيع التمييز بينهما، سيبدو له الكلام صعبا وتخصصيا وسرعان ما يتهم عقله بالعجز عن الفهم ليبتعد عن الموضوع كله ويطلق الوصف العامي على الطرفين (بدأتم بالتفلسف) وبهذا يضيع بيان الحق لأن المخالف استطاع نقل الحوار من الجانب المضيء المفهوم إلى الجانب الغامض الذي لن يفهمه إلا المتخصصون وبهذا استطاع النجاة من الإلزام أمام الناس حتى ولو حق عليه الإلزام أمام المتخصصين، فما الذي يهمه وغالبية الناس لن يكشفوا زيف قوله، وهذا أشبه بأن تطلب مبارزةً مباشرة أمام الناس فيأخذك الخصم إلى زقاق مظلم فحتى ولو أشبعته ضربا فإن غالبية الناس لم يشهدوا تلك المعركة إلا أن الفرق بين المبارزة والمناظرة أن الأولى لها نتائج مادية قد يلاحظها العامي فقد تقتل خصمك فيعترف العامي بالنتيجة بينما المناظرة نظرية فمادام الخصم لا يتوقف عن الإجابة أمام الناس ويكلمهم بكلام غير مفهوم وله أنصار ينصرونه ظالما أم مظلوما فسيكون بخير حتى ولو كان يقول المتناقضات والباطل المبين.
ولهذا يستحسن في هذه الحالات الإكثار من التسليم بالجدل واجتناب الخوض في التفاصيل فإن قال (أثبت القدر المشترك في لازم الصفة لا الصفة) فالأولى ألا تثبت له أن لازم الصفة صفة أيضا وإنما تقول له مثلا (أوليس استدلالك بقول الله 'ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" حملته على نفي مطلق التواطؤ ؟ فلما أجزت القدر المشترك في لازم الصفة لزمك أن يقال لك (إذا فإنك تجعل المخلوق مثل الخالق في لازم الصفة) والآية لم تذكر لا الصفة ولا لازم الصفة بل قالت (ليس كمثله شيء) فتقييدها بالصفة دون لازمها كلام من عندك ومن كيسك ويفسد العلية التي اعتمدتها من الأساس في نفي التماثل بينما كلامي متناسق في فهم الآية فقول الله ((ليس كمثله شيء)) أي في نفي التواطؤ المطلق لا مطلق التواطؤ بمعنى أن الله حي تام والمخلوق حي ناقص والله عليم تام وعلم المخلوق ناقص وهكذا في كل الصفات وليس معناها نفي التواطؤ من الأساس.
كتبه #صهيب_بوزيدي
