الوهم والحقيقة تهجين الإبستمولوجيا مع الآنطولوجيا
إن كانت كل أحلامك جميلة فإنك ستعيش ثُلث حياتك عيشا جميلا.
الفرق بين الأحلام والواقع أننا نعيش الأحلام عندما نكون نائمين ونعيش الواقع عندما نكون مستيقظين.
والدليل الوحيد على أن ما نعيشه في اليقظة هو الواقع وليس ما نعيشه في الأحلام هو ترابط الأحداث ومواصلتها من حيث توقفنا.
تخيل لو أنك كلما عدت لنومك واصلت المشهد من حيث توقفت في آخر حلم وصلت إليه، هل تستطيع عندها التفريق بين الأحلام والواقع ؟ بل كيف ستعرف أيهما الحلم وأيهما الواقع ؟ لماذا لا يكون ما تراه في نومك هو الواقع وما تراه في يقظتك هو الحلم.
ماذا لو كانت كل أحلامك تنتهي بأن تحلم أنك ستخلد إلى النوم وتقول لمن حولك "تصبحون على خير" وبمجرد أن تنام في حلمك تستيقظ في واقعك فكيف ستفرق بين الحلم والحقيقة ؟
الواقع بالنسبة لنا هو ما نصدق أنه واقع، حتى في يقظتنا، الرجل الذي يعتقد أنه عالمٌ سيعيش على أنه عالمٌ حتى وإن لم يكن كذلك في الحقيقة، والذي يعتقد أنه محبوب من طرف فلان أو فلانة سيعيش على متعة ذلك الحب حتى ولو كان مزيفا، المهم أن يظل في ذلك الوهم إلى النهاية، وما لم يستفق منه بالاصطدام بالواقع الذي يثبت له خلافه سيعيش على أن تلك هي الحقيقة، هرمون السعادة سيُفرز ونفسيته تبقى متزنة إن كان مهتما لهذا الحب، لكنه سيُصدم إن اكتشف خلاف ذلك.
سنضرب مثالا ماديا غير معنوي، تخيلوا أن شخصا صدّق أنه غني وأنه يملك في حسابه مليار دولار، ثم صدّقه الناس بناء على الأدلة المزيفة التي خدعتهم جميعا، سيعيش ذلك الشخص لفترة من الفترات غنيا، المهم ألا يكون هناك من يكتشف الحقيقة، وذلك لأنه قد يطلب مشروعا فيعطى له ويطلب قرضا فيعطى له فيبحث عن شركاء فيجدهم وعن موظفين فيجدهم، سيجد نفسه منجزا لأعمال حقيقية ويكتسب أموالا حقيقية فقط من خلفيته المبنية على الوهم، وهذا ما اكتشفه بعض المشاهير اليوم فصاروا يريدون التضخيم من وضعهم المادي فيجعلون أنفسهم أغنى مما هم عليه كذبا حتى تزيد قيمتهم وترتفع أسعار إعلاناتهم ويتيسر عليهم إنجاز الكثير من الأشياء مما يجلب لهم في النهاية أموالا حقيقية.
الحقيقة خارج الذهن قد تختلف وقد تتفق مع الحقيقة داخل الذهن ولكن ما يعيشه الإنسان ويحسه هو ما يجده داخل ذهنه لا ما يوجد خارجه، ويبقى على تلك الحال إلا إن اصطدم بالحقيقة الخارجية، فهنا تحدث الصدمة النفسية، ومن الناس من يحاول تكذيب تلك الحقيقة حتى يستمر في عيش وهمه بهدوء.
مثال ذلك: الحقيقة الخارجية هي أن إخواننا في غزة يُبادون، ولكن كثيرا منا يهربون من هذه الحقيقة بعدم متابعة الأخبار والأحداث، كالنعامة التي تدفن رأسها في التراب، فإن نحن لم نشاهد مشاهد الدمار والإبادة والمعاناة فإننا نخفف من وطأة بشاعة المنظر على أنفسنا، مما يعني أننا نحاول التعتيم على أنفسنا بزيادة الجهل بما يجري، لأننا لن نتألم لحالهم إلا إن علمنا به.
ولذلك إن أصابت الإنسان مصيبة أو أحيط بخطرٍ كبير تجده يكتم تلك المصيبة أو الخبر المروع عن أقاربه حتى لا يصيبهم الهلع، مع أن المصيبة واقعة، ولكن والدته قد تصاب بمكروه إن هي علمت بها، بينما قد تستمر في سعادتها إن هي لم تعلم.
إذا فالوهم حقيقة بالنسبة لنا ما لم نكتشف وهميته.
كتبه #صهيب_بوزيدي
