المداخلة وحزنهم لنجاح النساء في الباكلوريا

ما الفرق بين احتجاج المداخلة بقول الله ((وقرن في بيوتكن)) على تحريم دراسة النساء في الجامعة وبين احتجاج الشيعة بها ضد عائشة أم المؤمنين عندما خرجت للإصلاح ووقعت بينها وبين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معركة الجمل ؟.

بل إن احتجاج الشيعة بهذه الآية وِفقَ هذا الفهم المعوجّ أقل بعدا عن الخطأ من احتجاج المداخلة بها إذ أنّ الآية موجهة إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأن الآية مسبوقة بقول الله ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ..)).

#وللرد_على_شبهة_الفريقين (الشيعة والمداخلة) أقول:

فالجواب النقضي الذي يُلزِمُ به المداخلة: نقول لهم، اسألوا عن بنات كبار شيوخكم ورؤوسكم في الجزائر (لماذا يدرسن في الجامعات ؟) ولماذا يعمل شيوخكم أساتذة في هذه الجامعات التي تدرس فيها النساء ؟ أليست دراسة النساء في الجامعات منكرا عندكم وشيوخكم بعملهم في الجامعة وتدريسهم للطالبات وتصحيح علاماتهن وإعطائهن النقاط وتأطيرهن في رسالات التخرج يكونون من الذين يتعاونون على الإثم والعدوان ؟ أليس المعين على المنكر مشاركا فيه؟ لنقرّب الصورة أكثر نأتِ بصورةٍ نتفق على حرمتها فتقول (عمل النساء في بيوت الدعارة حرام) فما حكم من يحسب لهن رواتبهن ويسجل حضورهن وغيابهن ويعمل محاسبا في بيت الدعارة أو مديرا للموارد البشرية ؟ بل ما حكم من يعلمهن كيفية ممارسة الدعارة ؟ سيكون الجواب قولا واحدا (حرام، لأنه معين على المنكر) فكذلك لو كانت دراسة النساء في الجامعة حراما فما حكم من يدرّسهنّ فيها ؟

بل إن المداخلة يحرمون الاختلاط في الجامعة ويطالبون بفصل الرجال عن النساء، فكيف يصح لهم ذلك وهم يحرمون على النساء الخروج من البيت ؟ فالتعلم والتعليم في الجامعات غير المختلطة لا يكون إلا بالخروج من البيت أيضا فكيف يحلونها ؟

ومعلوم أن المداخلة لم يستثنوا لا طالبة في الشريعة ولا غير الشريعة، بل لم يرضوا حتى بتهنئة الناجحة في الباكلوريا، وما يدريهم لعلها تنجح ثم تمتنع عن الدراسة في الجامعة (فقد يصيبها مثل الذي أصابهم لا سمح الله وتترك دراستها) فلماذا لا يفرحون بنجاحها على الأقل؟، ثم إن المرحلة الثانوية مرحلة كانت المرأة تدرس فيها خارج البيت فلماذا التشنيع على الجامعة دون الثانوية ؟.

وكما قال الكثير من الإخوة المستنكرين لمثل هذه الفتاوى الغريبة (يريد المداخلة أن تعالج النساء عند النساء ثم يحرمون على النساء تعلم الطب)، قلت: (ذلك مثل من يريد الموت ساجدا وهو لا يصلي).

أما الجواب النقضي الذي يُلزَم به الشيعة فيُلزمون بخروج فاطمة رضي الله عنها لمطالبة أبي بكر بأرض فدك، فإن كان الخروج من البيت منكرا لزمهن الإنكار على فاطمة وهي معصومة في مذهبهم، فإن لم يكن منكرا بطل إنكارهم على أمهات المؤمنين، فإن قالوا هذا حكم خاص بنساء النبي دون سائر النساء قلنا، ذاك اعتراف منكم بتفضيل الله لنساء النبي على سائر النساء فتكون عائشة أفضل من فاطمة، وفيه إسقاط لعقيدة الإمامة من جذورها إذ أن الإمام عندكم أعظم منزلة من النبي وما فاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم عليا عندكم إلا لأنه استوى معه في الإمامة وزاد عليه بالنبوة، فإن كان اختصاص نساء النبي سببه إمامته فكان الأولى أن يكون مثله لنساء سائر الأئمة بمن فيهم علي، وإن كان الاختصاص بسبب النبوة الزائدة على الإمامة فذلك يناقض تفضيلكم الإمامة على النبوة إذ اختصت النبوة بتشريف ليس في الإمامة، فلو كان النبي غير إمام لحاز هذا الشرف فكيف يكون الإمام خيرا منه كما تقولون ؟.

وللرد على المداخلة والشيعة معا بالجواب الحلّي أقول:

1 - قال الله (وقرن في بيوتكن) ثم تلاها بقوله (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) ومعلوم أن الأمر بعدم التبرج لا يكون إلا بعد الخروج من البيت، إذ ليس المعنى ألا يتبرجن في بيوتهن أمام أزواجهن، فلو كان معنى قوله (وقرن في بيوتكن) هو تحريم الخروج من البيت مطلقا بلا تفصيل لما صح أن يقول بعد ذلك (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) إذ لا حاجة للحجاب وهن داخل البيت بين محارمهن.

2 - قال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجته سودة ((قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن)) (صحيح البخاري).

وهذا الحديث يقيد المعنى المراد في الآية ليصبح المعنى (وقرن في بيوتكن ما لم تكن هناك حاجة)، ومن المعلوم أن الحاجة في الفقه تختلف عن الضرورة، فكل ضرورة حاجة وليست كل حاجة ضرورة فالحاجة أوسع وباب الضرورات أضيق.

ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن) شامل لكل ما تحتاجه المرأة من مباحات لذاتها، فيجوز لها الخروج للدراسة أو العمل أو الشراء أو العلاج أو التنزه لتغيير الجو وإبعاد الملل وتجديد الطاقة وشم الهواء،

3 - الأصل في الآية حماية المرأة من الأذى الذي تُعرّض إليه عند الإكثار من الخروج بغير سبب ومعلوم في واقعنا كثرة تعرض النساء إلى المضايقات والمعاكسات ومحاولات الاختطاف والاغتصاب وبعيدا عن كذب النسويات على أنفسهن (والنسوية أو الفيمينيست حركة علمانية إلحادية تدعو إلى خروج المرأة عن القيم والمبادئ الدينية والاجتماعية وتحويل الرجال إلى خصوم وأعداء) فالواقع المشاهد خير دليل على أن النساء لسن في مثل قوة الرجال جسديا ولا هن قادرات على حماية أنفسهن بالشكل الذي يقدر عليه الرجال في الغالب "إلا في حالات خاصة تتفوق فيها المرأة على الرجل ونحن نقارن الجنس بالجنس لا الحالات الفردية بالحالات الفردية الأخرى" ولذلك معظم الجيوش مكونة من الرجال، وحتى أغلب العلماء في شتى الميادين رجال، والرجل هو المكلف بحماية المرأة لا العكس، وأكثر الناس تأذيا من إصابة المرأة في عرضها بسوء هم الرجال المقربون منها، لذلك أمر الله بإجراءَين أمنيين متكاملين هما:

أ - التدبير الأمني الأول: أن تقر المرأة في بيتها ما لم تكن هناك حاجة.

ب - فإن كانت لها حاجة في الخارج فمأذون لها بقضائها ولكن باتخاذ التدبير الأمني الثاني "التحجب وعدم التبرج".

ودل على أن العلة من هذه الأوامر ما ذكرتُ قول الله تعالى ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا))

قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهنّ؛ لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول) انتهى.

4 - ليس المراد سجن المرأة وخنقها في البيت، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها ((أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر. قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني. فقال: "هذه بتلك السبقة"، وفي لفظ: سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني. فقال: "هذه بتلك")) مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يروّح عن زوجاته ويلاعبهن وهنّ خارج البيت "في السفر" فدل على أن السفر حاجة، والترويح عن النفس والتنزه والترفيه حاجة أيضا.

ومما يدل على أن الترفيه حاجةٌ كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعيها في نسائه ويهتم بحصولهن على نصيبهن فيها ما روته عَائِشَةَ رضي الله عنها إذ قَالَتْ : ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ : "مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؟" فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ : (دَعْهُمَا) فَلَمَّا غَفَلَ ، غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا ، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَإِمَّا قَالَ (تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ) فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ ، وَهُوَ يَقُولُ (دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ : (حَسْبُكِ ؟) قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : (فَاذْهَبِي))) (رواه البخاري 907) و(مسلم 829)

"نص الحديث مقتبس من موقع إسلام سؤال وجواب للشيخ صالح المنجد. وللتنبيه أقول: الأحاديث التي أقتبسها من المواقع أحفظها وعند كتابتها أريد نقلها نصا كما هي بمصادرها فأنسخها من المواقع حفظا للوقت والجهد، ومن باب الحرص على تمام الأمانة العلمية أنقل اسم الموقع الذي نسخت منه الحديث مجردا حتى ولو كنت أحفظ الحديث قبل دخولي له".

5 - هل طلب العلم حاجة ؟ الجواب نعم، ولمفاجأة المداخلة اخترت لهم جوابا من عند الشيخ ابن باز نفسه ولا يلزمني من كلامه شيء إنما يلزم المداخلة وحدهم لأنهم يقرّونه مرجعية لهم، قال ابن باز: ((نعم، يشرع لها بل يجب عليها أن تتعلم لسماع العلم من طريق الإذاعة، من طريق إذاعة القرآن، من طريق زيارة النساء المعلمات، حضور مجالس العلم التي تستطيع حضورها مع التستر حتى تسمع الفائدة والعلم، سؤال أهل العلم بالتلفون، أو بالمكاتبة، كل هذا من طلب العلم، النبي  يقول: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، فإذا كان هناك امرأة تعلم النساء وجب عليها أن تذهب إليها مع النساء للتعلم، والتفقه في الدين، وإذا كان هناك حلقات علم للرجال، وحولها مجالس للنساء، محلات نساء خاصة يسمعن العلم تذهب تسمع العلم مع التستر والتحفظ، والبعد عن أسباب الفتنة، وإذا سألت من طريق الهاتف، من طريق التلفون أو المكاتبة تسأل أهل العلم عما أشكل عليها كل هذا من أسباب تحصيل العلم)) انتهى كلامه

قلت _صهيب_ وطلب العلم حاجة سواء كان ذلك لتعلم الشريعة الإسلامية أو لتعلم غيرها من العلوم، فالعلم ليس حكرا على الرجال، بل كانت عائشة رضي الله عنها امرأة ومع ذلك كانت أفقه من جلّ الرجال المعاصرين لها فضلا عن خلفهم.

كتبه #صهيب_بوزيدي

المداخلة وحزنهم لنجاح النساء في الباكلوريا
المداخلة وحزنهم لنجاح النساء في الباكلوريا

من نفس الموضوع: المداخلة والمنهج

حوار مع مدخلي في زكاة الفطر

المداخلة والمنهج

هذا الحوار دار بيني وبين أحد المداخلة قديما ربما سنة 2013 ولذلك قد لا تسعفني الذاكرة لذِكره كما هو بالنص، وإنما ذكرتُ ما أتذكره منه، وقد أخلط بين ما…

المقنين الزين

المداخلة والمنهج

لا أدري ما مشكلة المداخلة مع قصيدة المقنين الزين ؟ ألأنها بالجزائرية أم لأنها قيلت في شهيد من شهداء ثورة التحرير الجزائرية أم لأنها صدرت من إمام لا ينتسب…

أنقذوا ولاة أمر المداخلة

المداخلة والمنهج

ولاة الأمر المحڨورين المضطهدين في السعودية (لأن المداخلة مشكلتهم تقريبا في ولي أمر السعودي الباقي يكروفيو) يشفّو ديراكت لذلك انبرى بعض المحسنين هناك إلى…