العلوم التجريبية لا تعطي أجوبة آنطولوجية نهائية
#السؤال: أستاذ صهيب من فضلك هل الإيمان بنظرية التطور من عدمه يمكن أن يؤثر على عقيدتنا . فأنا أدرس تخصص بيولوجيا و هذه المسألة ملازمة لنا .. و حاولت أن أجري حوارا مع الأستاذ ليقنعني أن حقيقة نظرية التطور ليست كفهم العامة أن القردة تحولوا لبشر بل وجود" ancêtre " يمكن أن يكون من ناحية خلوية .. و في الأخير هو طلب فصل الدين عن العلم و إلا فلن نتطور في العلم .. قال لأن العلوم التجريبية تحصل فيها أخطاء و لو أننا كل مرة نعرض النظريات على نصوص الدين لن تتطور الاكتشافات و العلم . ما رأيك أستاذ ؟
#الجواب: كلامه ليس دقيقا حتى ولو كان مقصوده سليما، ذلك لأن هذا الأستاذ قد يكون متمكنا من مادته العلمية بصفته متلقنا لها وليس باحثا مجتهدا ولكنه غير متمكن في العلوم الإسلامية لذلك لا يمكن أن يؤخذ بكلامه الذي يوازن فيه بين علمين وهو غير مدرك لأحدهما كما أنه مقلد في العلم الآخر، وليس اعتراضي الرئيسي على تصحيحه نظرية التطور وإنما قوله بوجوب فصل الدين عن العلم وربطه بالتخلف.
أستاذك في الغالب لن تجدي عنده لا براءة اختراع ولا أي ورقة بحثية في الجانب البيولوجي وإنما هو درس المقررات العلمية البيولوجية التي أشرفت عليها مراكز وأساطين علموية ونقل أحكامهم واقتنع بها لأنه لم يجد طرحا قويا مضادا لها [نظرا لكون المسيطر على العلوم في هذه الحقبة هو الاتجاه العلموي الذي يميل إلى الإلحاد، حتى ولو كان العلماء أنفسهم ينتمون لأديان متفرقة فإن التيار يسوقهم بالطريقة الإلحادية].
هناك من حاول إقحام نظرية التطور ليؤسلمها إن صح التعبير وهنا لا نقول بأنه يكون كافرا ولكن من الواضح أن هذه النظرية تتعارض مع الطرح الإسلامي.
مع ذلك فحتى ولو سلمنا بصحة هذه النظرية فليست تخدم الإلحاد في شيء لأن تطور الكائنات من بكتيريا إلى غاية الإنسان لا يعني أن الله غير موجود ولا يعني أن هذا التفسير وجد حلا للأسئلة الوجودية [الآنطولوجيّة] وذلك لأن أسئلة السببية تحوم حول السؤال (لماذا) لا حول السؤال (كيف) بينما العلم التجريبي قد يجيب عن سؤال (كيف) فيتوهم غير المتخصص في الآنطولوجيا أنه جواب عن أسئلته الوجودية.
والدليل القاطع على عدم قدرة العلوم التجريبية لوحدها على الإجابة عن الأسئلة الوجودية هو وجود علم الفلسفة حتى بين الملحدين، ويمكنني ذكر قائمة لا نهاية لها من الفلاسفة الملحدين، بينما لو كان العلم التجريبي وحده كافيا للإجابة عن الأسئلة لما اعترف الملحد بعلم الفلسفة من أساسه، بل كان الواجب عليه استبدال الفلسفة بالعلوم التجريبية.
العلم التجريبي قد يثبت وجود كائنات تتطور (لكن هذا لا يلزم منه أن الإنسان تطور من بكتيريا)، قد يثبت العلم التجريبية قابلية التطور لدى الإنسان (لكن هذا لا يلزم أنه بالفعل تطور من بكتيريا) قد يثبت العلم التجريبي وجود تشابه جيني بين الإنسان وبعض الكائنات (لكنه لا يعني أنه تطور منها).
فالعلم التجريبي لا يقدم نتيجة نهائية لحل المعضلات الوجودية وإنما يعطي بعض النتائج المعينة على البحث وقد تكون نتائجه حقا في حد ذاتها لكن اللازم منه مجرد استنتاج أراده بعض العلماء لخدمة توجهات معينة أو لتكميل نظريات اقتنعوا بها قد تكون نظريات خاطئة من أساسها.
بناء على كل ما سبق فإن الإنسان المسلم يوقن بأن القرآن كلام الله، ويوقن أن كلام الله حق، لذلك لا يمكنه فصل العلم عن الدين وإنما معظم العلوم لم يرد في الدين ما يؤيدها أو يعارضها فهذه مجالها مفتوح، ولا تحتاج منا لفصلها عن الدين لأن الدين نفسه فصلها عنه، وكذلك بعض نصوص الدين ظنية في دلالتها فهذه لا نعارض بها العلوم إن كانت قطعية.
أما النصوص الدينية القطعية فلن تعارض العلم القطعي إنما قد تعارض العلوم الظنية أو تعارض بعض النظريات التي لم تثبت صحتها حتى علميا.
كتبه #صهيب_بوزيدي
