الزواج والحلقة الأخيرة

أثّرت الأعمال الفنية في العقل اللاواعي للإنسان تأثيرا كبيرا في مسألة مهمة قل من ينتبه لها وهي جعل الزواج الحلقة الأخيرة في علاقة الحب.

من شاهد أي مسلسل أو فيلم مهما كانت جنسية صناعه سواء كان بالأنمي أو بتمثيل البشر فإنه يلاحظ قصصا مشتركة في علاقات الحب إذ تكون كل الأحداث المشوقة والممتعة والمثيرة للمشاهد قبل الزواج وعندما يتم الزواج ينتهي المسلسل أو الفيلم ولا يرى الناس الحياة التي بعد الزواج.

هذا العمل المتكرر جعل الزواج مقبرة الحب، ليس كلامي هنا عن الحب قبل الزواج فلستُ أعيش على كوكب المريخ لأتفلسف بكلام مخالف للواقع بخصوص هذا الشأن وإنما كلامي عن استمرارية ذلك الحب من عدمه، فكثير من الناس تنتهي كل مشاعرهم بعد الزواج بفترة بسيطة وكأنهم يسيرون لتحقيق نفس الأحلام التي رأوها في الأفلام والمسلسلات (قصة التعرف الأولى ثم كيف تشكل الحب ثم كيف بدأ كتمانه ثم التلميحات ثم التصريحات ثم مرحلة المشاكل طوال الفيلم وخلال المشاكل تظهر المشاعر مخلوطة بالحزن والأسى والحوائل بين الحبيبين ثم تحل كل تلك المشاكل وعند الاتقراب من الزواج تحدث مشاكل أعظم من الأولى ثم يعودون لنقطة الصفر ثم الافتراق والخصام تتخللها بعض الأغاني من نوع (تيري ميري بيري تيري) و (جانم ايكلو ايزدنم كوكيو) وبعدها تبدأ مشاهد الجري في أعالي الجبال وتذكر الأيام الجميلة (يوم وقعت في الوحل وضحك عليها ويوم سُكب عليه العصير ويوم أمطرت عليهم وتبللت ثيابهم ومرت سيارة داست الماء فرشّهم فضحكوا مع موسيقى رومنسية) وبعد كل تلك الرحلة تأتي مرحلة الزواج (و"تودانكو" فجأة "تبدا الكتيبة تطلع" وينتهي الفيلم) أو يختصرون ذلك بعبارة (وبعد مرور خمس سنوات) وتظهر العائلة السعيدة مع أبنائهم الثلاثة أو الأربعة وينتهي الفيلم.

#الشيء_الذي_أغفلوه: أين الجزء الثاني من الفيلم ؟ مرحلة ما بعد الزواج ؟ ماذا يجب أن يحدث وما الذي يكون عليه الأمر ؟ تلك المرحلة التي اُختصرت بعبارة "وعاشوا في سعادة وهناء" أين تصوير تفاصيلها ؟ ما الذي يجري فيها تحديدا ؟ كيف يجب على كل من الزوجين أن يتصرف كي يكون الأمر مطابقا لما صوروه في المشهد ؟

#هل_ألقي_باللوم_على_الأعمال_الفنية ؟ الجواب: لا.

فالعمل الفني يراد منه تشويق المشاهد وإمتاعه فإذا نجح في ذلك انتشرت مبيعاته وصار عملا ناجحا خُتم نجاحه بدخول الأموال في جيوب أصحابه وتمتعهم بشهرة وشعبية واسعة تدر عليهم أموالا مدى الحياة.

#فعلى_من_اللوم؟ الجواب: ليس هناك لومٌ على أي أحد فمن الطبيعي أن عقل الإنسان الواعي قادر على صد ما بين 10% إلى 20% من المعلومات التي يتلقاها كي يحللها ويفهمها ويخزنها بالطريقة التي يريد وسائر المعلومات التي تشكل نسبة تعلو على 80% تنتقل مباشرة للعقل اللاواعي أو اللاشعور وهو ما يُشكّل بدوره شخصية الإنسان التي تؤثر فيما بعد على عقله الواعي وتدفعه حيث تشاء.

فوسط هذا الكم الهائل من المنتوجات السينمائية والروائية يستحيل أن ينجو العقل الواعي وينتبه لكل هذه التفاصيل وقد يكون أصحاب المنتجات أنفسهم لا يتعمدون إيصال المتابعين لهذه المرحلة وإنما هم أنفسهم ينظرون للزواج وعلاقات الحب هذه النظرة.

#فما_المغزى_من_مقالك_إذًا؟ الجواب: لكي ينتبه الناس إلى هذا الأمر، كثير من الناس يرون الزواج غاية لا تليها غاية فينطلقون نحو هذا المصير من غير عدّة ولا سلاح حتى إذا تزوجوا تورطوا أو في أحسن الحالات دخلوا في الروتين وذلك لأن عقولهم تعودت على صناعة أهداف تليها أهداف أخرى دون التوقف قليلا ولو لبرهة من الزمن والنظر إلى الوراء ليخاطب كل منا عقله اللاواعي قائلا: مهلا، ليس هناك ما يدعوني للتوتر، علي أن أفرح بما أنجزته إلى الآن، لقد نجحتُ في سباق خضته مع ملايين النطف فكنت الفائز الوحيد الذي بلغ البويضة ونجحتُ بعد عون الله وتوفيقه في كل شيء في الخروج إلى النور وعدم موتي في الرحم ثم نجحت في تعلم شرب الحليب منذ ساعتي الأولى ونجحت في إصدار الصوت ثم الزحف ثم الحبو ثم المشي والكلام شيئا فشيئا، نجحت في تعلم الكثير من الأشياء وصرت قادرا على الفهم والإدراك والتحليل والقراءة والكتابة والتواصل مع سائر البشر، نجحت في اللعب والركض وتعلمت القتال والدفاع عن النفس، نجحت في الاختبارات ونما جسمي جيدا، نجحت في التغلب على كثير من الأمراض وتحسن حالي فاليوم صرت أسمع التسجيلات بالموبايل وبالأمس كانت أغلى أماني الحصول على كاسيت فيه صوتية تهمني، اليوم أستطيع تنزيل الكتاب الذي أريده بكبسة زر وبالأمس كنت أجوب المدن بحثا عن الكتاب فلا أجده، اليوم أقدر على التعلم بسرعة، لقد نجحت في دراستي وتخرجت ونجحت في تحصيل طريقة أكسب بها رزقي، لقد نجحت في الحفاظ على نفسي وأهلي ونجحت في كثير من الأشياء، ليس هناك داع للخوف من المستقبل لأني عشتُ بالفعل ثلثه أو نصفه أو أكثر وقد نجحت في عيش ذلك بأمان ولم يبق مثل الذي فات حتى أدخل مرحلة جديدة بإذن الله أعيش فيها حياةَ النعيم والخلود في جنان الله، لقد أغرقني الله بنعم لا تُعد ولا تُحصى، أنا إنسان ناجح ليس هناك ما يدعو للاكتئاب.

فإن تزوج بعدها فليحاول التدبر في هذا النجاح وليعش لحظاته قدر الإمكان، فليستشعر هذا النجاح وليحافظ عليه، دراسة خطواته بروية وثبات أمر ضروري ولكن لا شيء يدعو للتوتر، لا داعي للخوف، لقد نجح في إعداد العدة لهذا الزواج ولم يقتحمه بلا سلاح ولا تدبير، الآن صار قادرا على تصريف أموره دون اندفاع ولا انحباس.

فليحاول التمتع بما عنده ويسعى في الوقت ذاته إلى تحصيل ما ليس عنده، إن كان قادرا على التنزه فليتنزه في كل ما يصلح للنزهة فيما جاوره فإن قدر على بلوغ نقاط أبعد فليفعل وإن لم يقدر فليستمتع بالأقرب، حتى وإن كان دخله محدودا فإن تخصيص يوم واحد في الشهر أو حتى في ثلاثة أشهر يبسط فيه يده ويدخل أهله مطعما فخما أو لذيذا أو حتى يشتري بعض اللحم ويشوونه على المشواة في مكان طبيعي أو ليفعل ما يقدر عليه حسب جهده فإن ذلك لن يجعله فقيرا، أساسا لا ينبغي للرجل وضع قدمه نحو مشروع الزواج إلا إن أعد لكل ذلك، وكلما كانت زوجه متفهمة للظروف بحيث تشاركه حلوها ومرها كلما كانت راحته أكبر وقل الخناق عليه.

فليُحسن إليها وإلى أهله وأهم من ذلك كله "فليعش كما يريد هو أولا ثم كما تريد هي ثانيا ولا يلقِ بالا لرغبات الشعب ولا يفتحن الأبواب لهم أصلا للإدلاء بآرائهم في حياته فرُبّ كلمة عشوائية من شخصٍ جاهل أو طائش قد تقضي على حياة كاملة أو تصبغها بالظلام والسواد.

فليبتعد عن الناس السلبيين الذين لا يحسنون سوى الاشتكاء وليختر امرأة حيوية إيجابية بعيدة عن النكد والتذمر والشكوى طوال الوقت من كل شيء، فليختر امرأة قنوعة تقبل الخير وليحذر من النوع الجاحد، وليكن هو الآخر متخلقا بما يرجوه من امرأة إن لم نقل بأعلى مما يرجوه منها.

فليكمل الجزء الثاني الذي لم تكمله الأفلام والمسلسلات في حياته الواقعية وليستمتع بالنجاح وحياته، لا توجد حياة تخلو من أحزان ومشاكل وأمور تدعو للتوتر، ولكن ليعلم الإنسان أن كل ذلك لا ينتهي ولو تتبعه لعاش حياته كلها في جحيم مستعر، لذلك كان من الحكمة الاهتمام بالمشاكل التي يمكن إيجاد حلٍّ لها حتى لا تستمر ولا تتمادى فيحاول إيقافها أما ما خرج من يده فليسلم أمره لله بعد تقديمه الأسباب.

وأهم شيء: فلينم قرير العين ولا يفكرن بأي شيء قبل نومه فإن التوتر قبل النوم جحيم مستعر ولن يقدم من الخير ولن يؤخر من الشر شيئا، فلينم وليستيقظ على فطور يشتهيه ولو كان ماءً منعشا ولينطلق إلى حياته كما يفعل اللاعب في ألعابه، فليجعل الهدف الاستمتاع بتحقيق النجاح والانتقال من مرحلة إلى مرحلة إلى أن يصل إلى ستاج الوحش "الموت" بأعمال حسنة إن شاء الله وبعدها فإنه ينتقل إلى عالم أحلى في البرزخ ثم يوم القيامة ينتقل إلى ما هو أحلى من البرزخ فلا شقاء ولا تعب وإنما نعيم وخلود في الجنان مع زيادة حسنٍ ومال وقدراتٍ كل أسبوع وكل وقت إلى ما لا نهاية، وخيرٌ من ذلك كله رضا الله عنه وحبه له.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…