استراتيجية المناظرة

الحلقة الأولى.

#أولا_ليس_المنتصر_هو_آخر_من_رد_بالضرورة.

فقد يطرح طرف حججا قوية وكافية ثم يُجاب عليها بقول ضعيف لا يلغي حجية المُداخلة السابقة فلا يرى الطرف الأول ضرورة للرد فيكتفي بما قاله.

فليس صاحب الحق أو المنتصر هو صاحب آخر تعليق أو آخر مُداخلة وإنما يجب النظر إلى محتوى الحوار من بناء للمقدمات وتعلقها بالنتائج.

#ثانيا_يجب_التفريق_بين_الجواب_الحلي_والنقضي

1 - الجواب الحلي يكون لإقامة الحق في أصله وفقا للمقدمات التي يُنطلق منها بالبرهان أو التسليم الحقيقي أو التسليم الجدلي.

ففي حال التسليم الحقيقي أو البرهنة عليها يكون الجواب الحلي ملزما للطرفين.

وفي حال التسليم الجدلي يكون الجواب الحلي دافعا لإلزام الخصم وليس بالضرورة أن يُبنى على مقدمات الخصم الحقيقية وإنما يكفي بناؤه على ما سلم به لغرض طرح إلزام معين.

ومختصر وظيفة الجواب الحلي في المناظرة هو "البناء المعرفي التراكمي أو الدفاع لإبطال شبهة الخصم وإلزامه".

2 - أما الجواب النقضي: فيكون مبنيا على أصول الخصم لغرض إلزامه بما سلّم هو بصحته ولتطبيق شبهته عليه ويكون الجواب النقضي إما (هجوما أو استعمال الهجوم ضد صاحبه).

#مثال: لو قال لنا ملحد: الإسلام يحث على قتل الأبرياء.

الجواب النقضي: وهل يحرم عليكم الإلحاد قتل الأبرياء علما أنه لا رب يحرم أو يحلل؟.

الجواب الحلي: الإسلام لا يجيز قتل الأبرياء وإنما يحرم قتل النفس بغير حق والدليل قول الله (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ).

#الشرح_باختصار: في الجواب النقيضي لاحظنا أن المسلم ضرب الملحد بتهمته نفسها وبين للناس أن ما يتهم الملحد به المسلم قد تحقق قطعا في الملحد وذلك كي لا يكون المسلم في مقام التبرير والدفاع بينما يكون الملحد في مقام القاضي فيلقي التهمة على صاحبها ويثبّتها عليه بالدليل حتى لا يكون له حق في الاعتراض والجواب النقضي إما أن يكون إلزاما للخصم بما ادعاه في المجيب ولو كان المجيب بريئا منه كما في هذا المثال وإما أن يكون إلزاما له بما يُتفق عليه؛ كأن يقول الملحد "لماذا تزوج نبيكم عائشة وهي في السن التاسعة" فيكون الجواب "وهل يحرم الإلحاد الزواج بمن هي في السن التاسعة إن بلغت؟" فهذا جواب نقضي لبيان عدم الاختلاف في هذه المسألة ثم نكمل لبيان أحقية الملحد بأن يُتهم بما يفوق الجزء المتفق عليه فنقول "والإلحاد لا يحرم الزنا حتى بالرضيعة أو اللواط أو بالطفل الصغير أو الحيوان فلا رب يحرّم ويحلل عندكم وإنما كل الأشياء ذرات وخلايا مادية لا تعرف الحلال والحرام"

أما عند الجواب الحلي: فلا يحق للملحد أن يقول "لماذا تستدل علي بالقرآن وأنا لا أؤمن به" لأننا استدللنا بالآية لنثبت أن الله في الإسلام لم يحث على قتل الأبرياء كما ادعى الملحد بل حث على تحريم ذلك وهذا جواب حلي يكون بناءً على أصولنا التي بنى عليها الملحد تسليما جدليا "وهو التسليم جدلا بوجود الله ثم الانطلاق من ذلك إلى مانسبه إلى الله من كذب" فنجيبه وفقا لأصولنا ومن الغلط الفاحش الشائع ألا يفرق المناظرون فضلا عن متابعي المناظرة بين الموضع الذي يُسمح فيه بالاستدلال بأصول المجيب وبين التي لا يسمح له بها إذ يسمح بها عند دفع الإلزام ولا يسمح بها عند إلزام المخالف هجوميا إلا إن كانت أصولا مشتركة بين المتناظرين.

#ثالثا_الإلتزام_بنقطة_بالبحث.

فكثير من المناظرين فضلا عن متابعي المناظرة يهملون هذا الجانب تماما فتجدهم يركزون على الشبهة أو الإستدلال دون مراعاة موضعه ومحله في الحوار.

فتجد الخصم يخرج عن نقطة البحث ويرمي شبهة غير متعلقة بالموضوع وفوق ذلك يصر على المطالبة بجوابها وكثير من المتابعين ينتظرون بجدية الرد على تلك الشبهة وإن كانت خارجة عن الموضوع ويمكن تقسيم المُداخلات الخارجة عن الموضوع إلى قسمين:

#القسم_الأول ماكان خارجا عن الموضوع جملة وتفصيلا كأن يكون الموضوع في حجية السنة وتكون الشبهة في موضوع اتهام عائشة رضي الله عنها بالزنا.

ومما أذكره أن أحدهم سألني حائرا فقال: "كنت أناقش نكرانيا ينكر جنس السنة في موضوع حجية السنة وفجأة قال لي "ما هو الدليل على تبرئة عائشة من القرآن" قال فأعطيته الآية المعروفة من سورة النور فقال "أين ذُكر اسم عائشة هنا في القرآن؟" فقال من سألني: "كيف أجيبه عن هذا السؤال".

فقلت له قل له: "عندما تأتي بالدليل على وجود حادثة اسمها حادثة الإفك والمتهمة فيها هي عائشة (باسمها) من القرآن نأتيك بتبرئتها باسمها من القرآن".

وإلا فإن ذكر اسم عائشة موجود في نفس الرواية التي ذكرت اتهامها بها.

قال: لم أفهم؛ قلت: قل له ما الدليل على أنك بريء من اللواط وأريد دليل البراءة باسمك من القرآن.

قال لكن البينة على من اتهمه باللواط؛ قلت: كذلك فليثبت أن عائشة اُتهمت من القرآن أولا حتى يُطالب ببراءتها منه.

فإن كان لا يؤمن بالسنة ويرفض الاحتجاج بكتب السنة فمن أين أتى بفكرة "اتهام عائشة من الأساس".

فقال: ااااه فهمت؛ إذا يجب أن يؤمن بثبوت السنة قبل أن يتهم عائشة أصلا وعندما يؤمن بثبوت السنة سيجد في السنة أن الآية نزلت في عائشة.

قلت: بالضبط؛ لذلك كان الواجب عليك ألا تسمح له بجر الحوار بعيدا عن الموضوع فموضوعكما كان في حجية السنة ولو اتفقتما عليه لاتفقتما حول ما تفرع عنه معرفيا.

#القسم_الثاني: ما كان خارجا عن الموضوع تفصيلا.

كأن يكون الموضوع "كيف يشهد ربيع المدخلي للمأربي بأنه عالم علامة ثم بعد خصامه يقول (والمأربي فين درس؟ هو جاهل...إلخ) فلماذا لا يسأل ربيع نفسه سؤال "المأربي فين درس" عندما وصفه سابقا بالعالم"؟

فيجيبك المدخلي "قد ينحرف المأربي ويصبح ضالا بعد هدايته فيتغير الحكم".

هنا يكون الخصم خارجا عن الموضوع في دقته وتفصيله فرغم أنه تحدث عن موضوع "تزكية المدخلي للمأربي ثم طعنه فيه" إلا أنه خرج عن الجزئية التفصيلية التي يدور حولها السؤال وهي "جانب الشهادة له بالعلم" لا الشهادة له بالفضل والتقوى ومعلوم أن الرجل قد يكون عالما ويكون مع ذلك ضالا أو حتى كافرا كما ذكر ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول (1/522) فقال "وعالم لم ينفعه الله بعلمه وهو إبليس" فرغم كفر إبليس من بعد إيمانه ورغم أن إبليس أشد كفرا من كل المخلوقات التي نعلمها إلا أن ذلك لم يمنع وصفه بالعلم.

إذا فيجب التفريق بين جزئية العلم في التزكية وجزئية سلامة العقيدة أو المنهج.

كما يفرق علماء الحديث جيدا بين العدل والضابط فقد يكون الضابط غير عدل ويكون العدل غير ضابط وقد تنتفي الصفتان في الرجل الواحد أو تجتمعان معا.

إذا: فالمدخلي عندما تسأله عن التزكية العلمية ويجيبك عن التزكية المنهجية أو العقائدية فإنه بذلك يخرج عن الموضوع.

ومع الأسف تجد كثيرا من المحاورين يقعون في مثل هذه الفخاخ فيُجرون وراء الشبهة فيجيب أحدهم "وما الدليل على ضلال المأربي في العقيدة ووو" فينتقل النقاش من موضوع إلى موضوع آخر ويتملص الخصم من الإلزام لينقلك لمواضيع أخرى وبهذه الطريقة لن تستطيع الإمساك به أبدا فكلما ألزمته بشيء هرب منه وسمحت له بالهروب كلما تملص منك.

ولذلك فحتى ولو كان الجواب على سؤاله أو اعتراضه الخارة عن الموضوع حاضرا عندنا فإن الواجب عدم إجابته مادام قوله خارجا عن الموضوع وإنما نخيره بين الإجابة عن السؤال تحديدا والنقاش في صلب الموضوع أو إنهاء الحوار معه.

كتبه صهيب بوزيدي.

استراتيجية المناظرة
شارك المقال:

من نفس الموضوع: المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

بين الفلسفة والتفلسيف

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

الفلسفة نوعان: الفلسفة الحقيقية: وهي البحث في الموجودات والمعارف والأخلاقيات والعقليات بحثا متجردا ينطلق من طرح الأسئلة بحثا عن أجوبتها القطعية أو الظنية…

اقتباسات حوارية في مسائل وجودية

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

قبل أيام في تيكتوك دخلتُ بثوثا وإذا بعدد من المحاورين المخالفين حاوروني وتداخلت أدوارهم فأحببت تجريد بعض أسئلتهم وردودي عليها سريعا والترتيب ليس بترتيب…