رسالة إلى من بقي من عقلاء المداخلة

قرأت مقالا لأحد المداخلة يقول فيه:

لا يكفي أن تمتحن الإنسان بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن الشيعة يحبونه أيضا ولا يكفي أن تمتحنه بالصحابة لأن الصوفية يحبونهم أيضا ولا يكفي أن تمتحنه بالأئمة الأربعة لأن الأشاعرة يحبونهم أيضا ولا يكفي أن تمتحنه بابن تيمية لأن الإخوان المسلمين يحبونه أيضا زلت بمحمد بن عبد الوهاب لأن الدوا*عش يحبونه أيضا ولا بالألباني لأن السروريين يحبونه أيضا ولا بمحمد أمان الجامي لأن الحلبيين يحبونه ايضا وإنما الامتحان الحقيقي يكون بالشيخ ربيع المدخلي.

#قلت_صهيب: حسب كلام هذا الشخص يفترض أن يكون الركن الأول من الإسلام هو [أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ربيع المدخلي حامل لواء الجرح والتعديل] بدلا من الشهادة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وذلك لأنه اعتبر الشهادة بنبوة رسول الله غير كافية لتمتحن بها العبد إنما الكافي هو امتحانه بربيع المدخلي.

فلو كان الدين قائما على رجل كهذا لخلقه الله في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل فيه آيات تحث الناس على التمسك به والموالاة والمعاداة عليه، فمن أين اكتسب إنسان عادي كربيع المدخلي كل هذه القداسة الدينية عند أتباعه ؟ وهل هو بريء منها ؟ عندما يُسأل ربيع المدخلي والرؤوس الذين رضي عنهم وزكاهم عن امتحان الناس بالأشخاص يجعله من منهج أهل السنة [ولا أدري ما دخل السنة وأهلها في ربيع المدخلي فلا كلامه يعدّ من السنة ولا هو من نقلة السنة وإنما هو مجرد إنسان عادي لم يجعله الله وسيطا بينه وبين عباده ولا أدخله في اختبار الآخرة فكيف جوّز المداخلة لأنفسهم إقحامه في مثل هذا الأمر ؟].

هل يعتقد المداخلة أن الله سيعاقب يقوم القيامة من لم يعترف بربيع المدخلي ولا بحزبه ولا بعقليته والله لم يأمر الناس باتباع ربيع المدخلي أصلا ؟

لماذا يكون كل من عارض ربيع المدخلي مبتدعا ضالا ؟ هل ربيع المدخلي هو السنة نفسها أم هو الحق نفسه حتى لا يكون بعد الحق إلا الضلال ؟

لنسلّم جدلا أن منهج ربيع المدخلي كله صحيح، أفلا يمكن وجود من يوافقه في كل ما قاله إلا أنه لا يحب شخصه كأن يكون ممن تلقى منه إساءة شخصية جعلته يكرهه مثلا ؟ أليس هذا ما يحدث اليوم في الصف المدخلي ؟ كلهم يتفقون على نفس الأصول والمبادئ [التافهة] لكنهم مع ذلك يتناحرون فيما بينهم لمجرد خصومات شخصية ثم يضطرون أتباعهم للانقسام في كل مرة إلى فِرق شتى كل فريق يصطف مع شخصٍ لم يكن يسمع بوجوده أصلا قبل سنوات، فهناك من دخل المدخلية اليوم ولم يكن يسمع بربيع المدخلي نفسه إلا في السنوات الأخيرة فماذا لو بقي كما كان لا يعرف بوجوده أصلا أتراه كان يدخل النار بسببه ؟ أم أنه لا يدخل الفرقة الناجية إلا بمعرفته ؟.

هل يملك أي واحد من المداخلة دليلا قطعيا على أن ربيع المدخلي على الهدى في كل ما قاله ؟ فإن كانوا يبرئون أنفسهم من نسبة العصمة إليه فلماذا يلزمون الناس بكلام شخص يعترفون بإمكانية وقوعه في الخطأ ؟ بل لماذا يصبح مخالف ربيع المدخلي ضالا ؟ أليس من الممكن عقلا أن يكون الضال هو ربيع لا مخالفه ؟

لماذا يحتاج المداخلة إلى امتحان الناس بربيع المدخلي لو كانوا قادرين على امتحانهم في المسائل التي يتبناها ربيع مباشرة ؟ أم أن الهدف ليس دعوة الناس إلى منهج ربيع بل دعوتهم إلى ربيع شخصيا.

بل لماذا يسعى المداخلة إلى امتحان الناس أصلا في دينهم والله لم يكلفهم لا بحسابهم ولا بامتحانهم ؟

أخي المدخلي أعلم أنك قد تكون ممن يسعى جاهدا لإصابة الحق وفي المداخلة من يحسن الاعتناء بعبادته وصلاته ويحافظ على ورده وأذكاره يوميا ولا أحسب إنسانا يفعل ذلك إلا لأنه يخاف الله ويريد دخول الجنة والنجاة من النار، ولكن قد يؤتى الحذِر من الجهة التي يخاف منها ويحرص عليها، فالخوف من دخول النار أنتج عند بعض الصادقين من المداخلة خوفا من الضلال ولا شك أن العواطف تؤثر على عمل العقل فبالقدر الذي يزداد الخوف يقلّ استعمال العقل، كذلك الغضب والحب والبغض وشدة الفرح والحزن واليأس والسعادة المفرطة كلها عواطف تؤثر على عمل العقل إن زادت عن حدها، فالخوف من الله مطلوب ولكن بالموازنه بينه وبين الرجاء وحسن الظن به وحبه لذلك قال الله ((وادعوه خوفا وطمعا إنّ رًحْمَتَ الله قريبٌ من المحسنين)) وقال ((تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون)) فكما أرسل الله نبيه نذيرا فقد أرسله مبشرا بل قدّم البشرى على النذير فقال الله ((وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا)) وقال ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)) فدلّت هذه الآيات على الموازنة بين الخوف والرجاء، والله عن حسن ظن عبده به ودل على ذلك الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقُولُ اللهُ عز وجل: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))

فيُستفاد مما سبق أن يحسن العبد ظنه بربه ومن حسن الظن بالله ألا نتخيل جعله اختبار العبادة في الدنيا قائما على فك الألغاز والأحجيات والبحث عن حزبٍ أو جماعة أو فرقةٍ لها شعار وقائد ومنهج وقواعد لا يدخلها فرد إلا نجا ولا يتركها آخر إلا هلك، فهذا ليس من عدل الله ولا من حكمته في الاختبار ولا هو أخبرنا بذلك ولا أمرنا به وإنما قال ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) ولم يخلقنا الله لنجعل مركزية الدين كله في عبدٍ من عباده لا هو بنبيٍّ ولا ملكٍ مرسل من السماء إنما هو إنسان معاصر له توجهات سياسية معينة وله أفكاره الخاصة وخصوماته الشخصية ينتصر لنفسه فيشعد بالعلم لمن وافقه حتى إذا خالفه أسقطه وجعله كأن لم يكن شيئا مذكورا كما فعل مع المأربي وفالح الحربي وعبد الرحمن عبد الخالق وغيرهم فبالأمس يصف الواحد منهم بالعالم العلامة المجا*هد السلفي ثم يصفه بعد ذلك بالرجل الذي لا يعلم أصلا أين درس فيصفه بالجاهل الضال الذي يراه أضر على الأمة من المسيح الدجال نفسه، فهل يعقل أن يكون رجل كهذا محل اختبار للناس به تُحدد مصائرهم الأخروية ؟ ومن جهة أخرى نجده أيضا يتناقض في فتاواه السياسية فإن كان الحاكم مرضيا عنه عنده حرم الخروج عليه واتهم كل من ينتقده ولو باللسان بالخارجي الضال ومن جهة أخرى يجيز الخروج على حاكم آخر إن كان مخالفا سياسيا لتوجه حكومته فيفتي بالجه*اد مع من خرج عليه وليس المثال الليبي عنا ببعيد.

كيف يمكن الاعتماد على أهلية ربيع المدخلي علميا وهو رجل يحكم على الناس بالضلال والبدعة أو الهدى واتباع السنة معتمدا على مخالفتهم له في قواعد أصلها عقليٌّ بشري محض فتجده يبدّع من يقول بأن حديث الآحاد يفيد الظن لا اليقين ما لم تحتف به القرائن "رغم وجود أساطينٍ من العلماء الذين قالوا بنفس هذا القول ولا يقدر على تبديعهم نظرا لوزنهم في الأمة" والأدهى من ذلك أن الحق مع مخالفيه لا معه والمصيبة الأكبر أن هذه القواعد عقلية محضة ليس هناك أي نص من الكتاب ولا السنة فيها فلا نجد آية ولا حديثا تحدثنا عن قطعية حديث الآحاد أو ظنيته فما علاقة البدعة والتبديع بهذا الموضوع ؟ لنفترض أن رجلا تكلم في المسألة فأخطأ فيها الصواب، هل المسألة متعلقة بمخالفة أمر الله ورسوله أصلا ؟ هل يكون بذلك قد عصى الله ورسوله ؟ هل أمره الله بخلاف قوله حتى يكون بمخالفته هذا الأمر عاصيا له ؟ كذلك القواعد الأصولية المتعلقة بحمل المجمل على المفصل "هل هذه قاعدة دينية أصلا ؟" ما علاقة هذه القاعدة بالبدعة والضلال حتى ولو سلمنا جدلا أن قول ربيع هو الصواب فيه رغم أن قوله خطأ محض ومخالف للبديهة العقلية والأصولية، ثم إن القاعدة المعروفة "لأن تخطئ بالعفو خير من أن تخطئ بالعقوبة" ترجح العمل بحمل المجمل على المفصل في كلام الناس، ولكن مشكلة ربيع مع هذه القاعدة مصادمتها لسوء ظنه بأقوال مخالفه أو لنقل "لتعمده حمل كلام المخالفين على أسوأ المحامل حتى ولو كان من كلامهم ما يبين حقيقة اعتقادهم" ولنضرب مثالا بسيطا على ذلك:

تخيلوا لو أنكم قرأتم كلاما للدكتور ذاكر نايك يوهم المستمع أنه يساوي بين السنة والشيعة ويجعلهم على صعيد واحد، وهذا الكلام يكون مجملا ولا يفيد القطع بهذا المعنى أي أنه يحتمله ويحتمل غيره، ثم نجد كلاما مفصلا لذاكر نايك يحث الناس على الرجوع لكتب السنة "صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرها" ويحذر من التشيع ويشجع السنيين الذين يردون على الشيعة ردودا علمية بعيدا عن الطائفية والهمجية العنصرية، ثم يركز على الترضي عن الصحابة وأمهات المؤمنين، فهل الصواب أن نحمل ما أُجمل من كلامه على ما فُصّل أم نحمل ما فُصّل على ما أُجمل ؟ كل العقلاء سينتهون بنتيجة (ذاكر نايك سني المنهج حتى ولو رفض التسمي بغير اسم المسلم) وذلك بعد حمل كلامه المجمل على كلامه المفصل، فرغم أنه قال (أنا مسلم ولست سنيا ولا شيعيا) إلا أنه قال أيضا (الإسلام هو الرجوع إلى القرآن والسنة الصحيحة مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرها من الكتب إلى غير ذلك من كلامه الدال على سنيته) لكن حسب منهج ربيع المدخلي فإنه لا يجوز حمل المجمل على المفصل بل يرى من يفعل ذلك ضالا مضلا مبتدعا وليس هناك سبب لذلك إلا أن هذا المنهج يفسد عليه اتهام الناس بما هم بريئون منه.

ثم لنفترض أخي المدخلي أنك وُلدت في عصر لم يكن فيه ربيع المدخلي أصلا، هل ستكون طريقتك التي تتعبد بها الله هي نفس طريقتك اليوم ؟ هل كنت لتبدّع من بدّعتهم بسبب رأيهم في ربيع أو مخالفي ربيع علما أنه لن يكون هناك لا ربيع ولا مخالفوه ؟ ألا يدعوك ذلك إلى التفكير في منهجك القائم على مركزية الأشخاص والأسماء المعاصرة الجديدة ؟ أما المسلم الحقيقي فيتعبد الله بأوامره وأوامر نبيه ويجتنب نواهيه فيتبع الأحكام والقواعد العامة التي تتعلق بالحق نفسه لا بآحاد الأشخاص، الصلاة مثلا موجودة اليوم وغدا أما ربيع المدخلي فبالأمس لم يكن، فما الذي يحاسب عليه الإنسان الحكم الدائم أم الفاني ؟

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: المداخلة والمنهج

هل يحارب النبيُّ السلفيةَ في منام شمس الدين

المداخلة والمنهج

ظهر شمس الدين في مقطع مصور يقول فيه (راكم معروضين للمعرض الدولي راني راح نخرج كتابي الجديد الذي سميته استيلاء اللصوص على النصوص كتبت هذا الكتاب ولم أضع له…

المقنين الزين

المداخلة والمنهج

لا أدري ما مشكلة المداخلة مع قصيدة المقنين الزين ؟ ألأنها بالجزائرية أم لأنها قيلت في شهيد من شهداء ثورة التحرير الجزائرية أم لأنها صدرت من إمام لا ينتسب…

أنقذوا ولاة أمر المداخلة

المداخلة والمنهج

ولاة الأمر المحڨورين المضطهدين في السعودية (لأن المداخلة مشكلتهم تقريبا في ولي أمر السعودي الباقي يكروفيو) يشفّو ديراكت لذلك انبرى بعض المحسنين هناك إلى…