حوار على الخاص حول مرجعية العقل
أنا: أنت مسلم لأن عقلك حكم على الإسلام بالصحة ولست عاقلا لأن الإسلام حكم على عقلك بالصحة.
الأخ: نعم
أنا: معناه أن العقل كان سابقا في المقدمات للكتاب والسنة، مثلا: لو سُئلت "ما الدليل على أن القرآن والسنة مصدران للتشريع ؟ أي ما الدليل على حجيتهما"
الأخ: العقل هو من حكم بذلك، العقل هو من فهم الوحي فآمن به وآمن بما فيه وحجيتهما، والقرآن مليء بالحجج العقلية
أنا: وهل يجوز الاستدلال بالعقل على مرجعية الوحي إن لم يكن مرجعا ؟ فاقد الشيء لا يعطيه لذلك فلا يكون العقل دليلا على مرجعية الوحي إلا إن كان العقل مرجعا ففاقد المرجعية لا يمنحها لغيره.
الأخ: نعم، طب هل في القرآن دليل برهاني على وجود الله
أنا: نعم يوجد، قول الله (أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) هل خُلقوا من عدم ؟ فالعدم فاقد للوجود وفاقد الشيء لا يعطيه فلا يمكن للعدم أن يعطي غيره الوجود أم هم الخالقون لأنفسهم ؟ ولا شك أن الشيء لا يمكن أن يخلق نفسه لأنه يحتاج أن يكون موجودا ومعدوما في آن واحد وهذا تناقض ممتنع، فيكون موجودا ليكون خالقا ويكون معدوما ليكون مخلوقا، فإن انتفى الاحتمالان وجب أن يكون لهم خالق خارجي عنهم ليس هو العدم، وهذا الخالق كي لا يتكرر معه نفس السؤال المتكرر معهم وجب أن يكون غير مخلوق إذ لو كان خالقا غير مخلوق لتوقف السؤال ولا يكون غير مخلوق إلا إن لم يتحقق فيه العدم فيكون أزلي الوجود تاما في كل صفاته.
الأخ: مضبوط، كلامك صحيح.
#الشاهد: العقل مرجعية بحيث أنه أثبت وجود الله بالأدلة العقلية وأثبت صحة الإسلام بتلك الأدلة وكذلك فَهم الإسلام واستنبط منه الأحكام "كل هذا عمل العقل" والقياس والتمثيل والاستقراء والإثبات بالنقيض والإثبات بالعكس المستوي والإثبات بعكس النقيض طرقٌ للاستدلال العقلي يمكن استعمالها في مجال فهم الكتاب والسنة أو في غير هذا المجال.
والعقل السليم الصحيح لا يجرؤ على رد نصوص القرآن والسنة بالهوى والمزاج وإنما وظيفته تصديق ما قاله الله ورسوله بعد أن استدل على مرجعيتهما، فلو أنه ردا شيئا من الكتاب والسنة لناقض حكمه عليهما بالصحة، ولذلك فإن من يرد حكما شرعيا قطعي الثبوت والدلالة بدعوى أنه مخالف لعقله فإنه بذلك يتهم عقله بالتناقض إذ كيف حكم على الله ورسوله بالصدق والصواب في كل ما قالاه ثم يرد شيئا من كلامهما ؟ أما إن كان النص الشرعي ظنيا وكان مخالفا للدليل العقلي القطعي فيقدم الدليل العقلي عليه وإن كان الدليل العقلي ظنيا وكان مخالفا للدليل النقلي القطعي فيقدم عليه الدليل النقلي وهذا ملخص ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل وهو ما أعتقده وأدين الله به بل أعتمده وهذا هو قول العقل السليم.
أما أن يُهاجم العقل ويُستحى منه وكأنه معرّة أو مسبة فهذا من الخلط بين الرأي والهوى والمزاج وبين العقل المبني على أدلة متراصة المقدمات وهو الذي لا يستغني في العمل عن الحس والنقل سواء كان النقل عاما (في جنس الأخبار) أو خاصا (في عين الكتاب والسنة).
#ملاحظة: كل من درس أبجديات المنطق والابستمولوجيا والأنطولوجيا وحتى أصول الفقه أو أصول الحديث فإنه لن يستطيع الاعتراض على مرجعية العقل، وذلك لأن الأصوليين اعتمدوا القياس مصدرا للتشريع (والقياس من عمل العقل) والمحدثون اعتمدوا على العقل في تأسيس قواعد علم الحديث وشروطه واعتمدوا على عقولهم في الجرح والتعديل وكذلك في باب شذوذ الروايات والعلل كان للعقل الحظ الأوفر في التحكيم، ومثل ذلك أصول الفقه كلها مبنية على القياس والتمثيل والاسقراء والبرهان بالنقيض وبعكس النقيض والعكس المستوي "عمليا حتى ولو لم تُستعمل هذه الألفاظ أثناء كل عملية وذلك لأن هذه المصطلحات مقررة في علم المنطق الذي يعتمده جل الأصوليون، لذلك كان من منهج بعض المعاصرين المحرمين للفلسفة وعلم الكلام أنهم حذروا أيضا من كتب الأصوليين المتكلمين وهذا معلوم".
#ملاحظة_2: قد يقال إن الإشكال في جعل العقل مصدرا للتشريع بدل أن يسمى وسيلة للفهم، فنقول "كونه وسيلة لا يمنع أن يكون مصدرا للتشريع" والقياس عند الأصوليين مصدر للتشريع رغم أنه من عمل العقل الذي وُصف بالوسيلة، والقرآن والسنة عند الأصوليين وسيلة لاستنباط الأحكام ولا توجد الأحكام فيه جاهزة، لذلك لم يجيزوا للمقلد أن يستقي الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة وذلك لأنه فاقد لعلوم الآلة، ثم إن العقل عند الابستمولوجيين مصدر للمعرفة فكون العقل وسيلة للمعرفة لم يمنع من تسميته مصدرا، والفرق بين (مصدر المعرفة ومصدر التشريع) أن المعرفة أوسع من التشريع فتشمل كل ما يُتعلَّم سواء كان في الشريعة أم غير الشريعة وما كان مصدرا لجنس المعرفة فهو مصدر لكل آحادها بالضرورة لأن القضية السالبة الجزئية تنقض القضية الموجبة الكلية، فالحكم عليه في باب الشرع بعدم المصدرية يعد قضية سالبة جزئية ولازمها نقض القضية الموجبة الكلية أي كونه مصدرا للمعرفة التي تشمل معرفة الشريعة وغير الشريعة، فإن قيل وهل معرفة الشريعة هو التشريع نفسه ؟ قلنا نعم مادام التشريع موضوعا مكونا من عدة أطراف (المُشرِّع والشرع ومتلقي الشرع) فالمتكلم هو الله وهو المشرع والكلام الذي قاله هو الشرع ومتلقي الشرع هو الإنسان والجان وكل هذه الأطراف يتشكل منها التشريع، وإلا فإن التشريع ليس قانونا بلا حاكم يسنه ولا محكوم يُنفذ عليه، والعقل يصحح أحيانا تصور المسائل الشرعية نفسها ويعين المرء على حسن الفهم، فقد يفهم الإنسان كلاما من القرآن على غير وجهه فيحس العقل بمناقضة هذه المعلومة لمعلومة قرآنية أخرى فيعاود البحث في معنى ما فهمه حتى يجد معناه الصحيح، ومثال ذلك أن يقرأ قول الله ((الله خالق كل شيء)) فيفهم العقل بالبديهة أن الله مستثنى من المخلوقات لأنه لا يمكن للشيء أن يخلق نفسه فيصبح المعنى (الله خالق كل شيء إلا الله) وهذا مما يُحذف لكونه معلوما بالضرورة "وكيف يعلم بالضرورة لولا العقل ؟".
كتبه #صهيب_بوزيدي.
