جوابا على شبهة إلحادية في الأزلية

الإلحاد والرد على الشبهات

#الشبهة: قال السائل ما ملخصه: كيف وصل الله من اللانهائية في الزمن الماضي إلى لحظة خلقه أول مخلوق ؟

#جواب_الشبهة:

سؤالك مبني على مغالطة وهي الجزم بأن هناك لحظةٌ أولى للخلق بحيث قبلها لم يكن هناك أي مخلوق أو كانت صفة الخلق معطلة أو منعدمة

بينما هذا غير مجزوم به وإنما قبل كل مخلوق كان الله قادرا على خلق مخلوق قبله إلى ما لا نهاية في الماضي.

أي يمكن أن يخلق الله مخلوقات منذ الأزل فلا يزال يخلق مخلوقا تلو الآخر من ناقص ما لا نهاية إلى زائد ما لا نهاية.

ولو قلنا إن الله خلق مخلوقا لم يخلق قبله شيء واستشكلنا إمكانية الوصول من اللانهائية في الماضي إلى لحظة معينة من الزمن، فإن القول باستحالة ذلك هو المستحيل ولكي نبرهن على استحالة استحالته سنعرض لكل الاحتمالات الموجودة سبرا وتقسيما إلى أن نثبت وجوب الوصول من الأزلية إلى لحظة معينة تبدأ في الزمن سواء كان السائل مثبتا لوجود الله أم نافيا لوجوده أو حتى قائلا بوحدة الوجود فكل احتمال يضعه السائل يلزمه منه إثبات وجوب إمكانية ذلك وإن عجز عن فهم تفاصيله بسبب عدم تجربة الإنسان للانهائية وذلك لمحدودية حياته ووجوده ولكن يمكن البرهان عليها برهانا عقليا منطقيا ورياضيا

إن استصعبت فهم ذلك سأقلب السؤال عليك:

لنفترض أنك ترفض الطرح الذي أقول به فإما أن تكون قائلا بوجود الله أو قائلا بعدم وجود الله.

1 _ إن قلتَ بوجود الله فإما أن تقول إن له زمنا لا نهائيا وإما أن تقول بأن له زمنا حادثا.

1 _ 1: القول بالزمن اللانهائي هو ما قلتُه واستنكرته وهو ما أتبناه لذلك لن أناقشك في القول الذي أصححه إن اتفقت معي فيه ولكني أرد عليك على أساس رفضك لهذا الطرح لذلك لن نتكلم عن هذا الاحتمال.

1 _ 2: لنفترض أنك تفترض لله زمنا حادثا فعندها سأقول (من اللانهائية في الماضي العدمي إلى لحظة انطلاق زمن الله الحادث كيف أمكن الوصول من اللانهائية للحظة انطلاق الزمن الحادث لله ؟) هذا نفس سؤالك أقلبه عليك هنا.

1 _ 3: قد تقول: ليس لله زمان، وعندها سأقول لك (إذًا فأنت تنفي أزلية وجود الله وكذلك تنفي حدوث وجود الله فإنك إذا تقول بعدم وجود الله) فإن سميت الله أزليا ثم نفيت عنه الزمان فقد تناقضت لأن الأزلية أصلا وصفٌ لمقدار الزمان أي أنها جزئية تابعة لصفة الزمان ونفي الزمان نفيٌ لها، ولكن لنفترض أني سأتنازل عن إلزامك بالتناقض هنا وأجاريك مسلِّما بما تقوله لفظا: فإن قلت إن الله خالق الزمان وليس متصفا بالزمان ولكنه أزلي الوجود فإني أقلب مجددا سؤالك عليك (كيف وصل من الأزلية في الوجود إلى لحظة خلقه للزمان ؟) هو نفس سؤالك مازال ساري المفعول فيما تعتقده "في حال افترضنا اعتقادك هذه الفكرة".

وقد نأتي لاحتمال أنك تطرح الإشكال لتثبت عدم وجود الله فسأسير معك في طريقك لألزمك بسؤالك أيضا فأقول: بما أن الله غير موجود عندك فإما أن يكون أول موجود في الوجود حادثا وإما أن يكون أزليا.

1 _ إن كان أزليا فسيجري عليه نفس السؤال الذي أجريته على الله (كيف وصل ذلك الموجود الأزلية للحظة وجود موجودات أخرى حادثة معه ؟)

2 _ إن قلت إن أول موجود كان حادثا فالسؤال: ما الذي كان يسبق ذلك الموجود الأول ؟ بما أنه الموجود الأول فلن يُسبق بموجود آخر ولكنك قلت إنه حادث ومعنى ذلك أن الزمان كان موجودا قبله إلى لحظة وجوده، فإن كان الزمان قبله ممتدا في أزلية العدم فكيف وصل من أزلية العدم إلى وجود أول موجود "وهو سؤالك" وإن كان الزمان قبله غير موجود وإنما بوجوده بدأ الزمان فمعنى ذلك أن العدم المحض كان سابقا له (إذ نفي الوجود قبله مع إثبات صفة الحدوث فيه "أي كان عدما ثم صار موجودا" معناه بالبديهة إثبات وجود العدم قبله ومنه سنسأل: كم امتد العدم قبله في الماضي ؟

2 _ 1: هل كان العدم أزليا في الماضي ؟ فعندها نسأل نفس السؤال (كيف وصل العدم من الأزلية واللانهائية في الماضي إلى أول نقطة في الوجود ؟)

2 _ 1: هل كان العدم حادثا في الماضي ؟ فمعنى أن يكون العدم حادثا هو أنه مسبوق بالوجود، وذلك لأنه لو سُبق بعدم آخر فمعنى ذلك التسلسل في حالات الأسبقية بالعدم إلى ما لا بداية وهي الأزلية العدمية كما لا يمكن التسليم بهذا أساسا لأن أسبقية العدم بالعدم لا تجعله حادثا وإنما هو عدم كما كان عليه أمره إذ لا فرق بين العدم والعدم الآخر ولكن لو سلمنا بوجود فرق بينهما فكل عدم حادث يسبقه عدم قبله وهكذا سنصل إلى اللانهائية في الماضي ونكرر سؤالك (كيف وصل من اللانهائية في الماضي إلى لحظة الوجود الأولى ؟) ومنه فإن قلنا إن العدم الذي سبق أول موجود كان حادثا فإننا سنسأل (وهل سبق ذلك العدم موجود آخر ؟) فإن قلت نعم فقد تناقضت إذ جعلت ما افترضناه أول موجود مسبوقا بموجود آخر فلم يعد الأول ومع ذلك لو تغاظينا عن هذه الفكرة فإننا سنستمر بطرح السؤال المتناوب (ماذا قبل ذلك الموجود الأول؟ ولن ننتهي إلا إلى اللانهائية إما بالخط المستمر أو المتناوب أو المتسلسل "على افتراض وجود موضوع ثالث خلاف الوجود والعدم وإن كان ذلك غير موجود، فعلى افتراض وجود جنس ثالث نسميه (ت) وهو الذي لا يوصف لا بالعدم ولا بالوجود فإننا سنطرح نفس السؤال عليه: كيف وصل من الأزلية للحظة وجوده ؟ هذا وإن وجود (ت) مستحيل بقاعدة الثالث المرفوع.

2 _ 1: أم نقول بأن العدم أزلي في الماضي وعندها سنسأل نفس السؤال: كيف وصلنا من الأزلية في ماضي العدم إلى وجود أول موجود ؟

#الخلاصة: ما حاولت الاستشكال عنه لا يمكن الفرار منه إلا إليه ولا يمكن نفيه إلا بإثباته ومادام كذلك فقد صار من المسلّمات والحقائق المطلقة الأولية التي تعد مقدمات تبنى عليها النتائج وليست نتائجا تحتاج إلى مقدمات تسبقها وبهذا أكون قد برهنت على وجوب إمكانية الوصول من الأزلية إلى نقطة بداية شيء ما.

وحتى رياضيا فإن x إن كانت تنتمي إلى مجموعة التعريف من _ ما لا نهاية إلى + ما لا نهاية فإنها تكون رقما ثابتا له وجود في مجموعة التعريف له ما يسبقه وله ما يليه وذلك لأن اللانهائية تمتد في الزمان والمكان فكما أن أي نقطة لها إحداثيات في المكان يمكن أن تكون هناك نقطة قبلها ونقطة بعدها فكذلك أي نقطة في الزمان يمكن أن تكون هناك نقطة قبلها وأخرى بعدها ووجوب وجود هذا الشيء في حد ذاته دليل على وجود اللانهائية ووجود اللانهائية في حد ذاته دليل على وجود المتصف بها وهو من نسميه الله.

#الخلاصة: هذه الشبهة لو استسلمنا لها وقلنا إذا فلننتقل إلى الإلحاد فإننا سنعتقد نفس هذه العقيدة التي فررنا منها مع استبدال الأسماء ففي الوقت الذي يستشكلها الملحد على الله سنشتكلها على العدم

إلا أن الفارق الذي يرجح قولنا على قوله أن العدم فاقد لصفة الوجود وفاقد الشيء لا يعطيه لذلك لو بدأنا بأصالة العدم في أزلية الوجود فلن نستطيع تفسير بداية وجود أول موجود من العدم إذ لا يمكن للعدم أن يعطيه صفة الوجود وهو فاقد لها بينما لو بدأنا من أصالة الوجود فإن الموجود الأزلي يمكن له أن يعطي الوجود لغيره لأنه ليس فاقدا للصفة

#لبتبسيط: لو قلنا

ليس في الوجود إلا (أ) و(ب) ولا وجود لأي موجود غيرهما على الإطلاق

إن كان (أ) حيا وعليما وقادرا

و كان (ب) جمادا وفاقدا للوعي مطلقا وعاجز ساكن

واتفقنا إلى هذه اللحظة على عدم وجود أي شخص غيرهما

ثم فجأة ظهر موجود ثالث (ج) يتصف بالحياة والعلم والقدرة

ولم نعلم هل أوجده (أ) أم أوجده (ب) لأننا لم نشهد ذلك

فأيهما الأقرب في المنطق إلى إيجاده ؟ (أ) الموجود الحي العليم القادر أم (ب) الموجود الجماد الفاقد للحياة للوعي والقدرة ؟

سنقول: لا شك أن (أ) هو الاحتمال الصحيح الوحيد يقينا لأن (ب) فاقد لصفة الإدراك فكيف يوجد موجودا مدركا وفاقد للحياة فكيف يوجد موجودا حيا وفاقد للقدرة والإرادة فكيف يوجد موجودا قادرا وله إرادة ؟

#لاحظوا: أني في هذا المثال تنازلت وجعلت ل (ب) صفة الوجود أي أني أعطيته صفات أكبر من صفات العدم وسلبته سائر الصفات ومع ذلك استحال الترجيح بينه وبين الموجود الحي العليم القدير.

فمن باب أولى لو جردنا (ب) من صفة الوجود نفسها فإنه لن يكون قادرا على إيجاد (ج) أبدا لأن فاقد الشيء لا يعطيه ومن لم يملك الوجود لنفسه لن يقدر على إعطائه لنفسه فضلا على أن يعطيهم الحياة والعلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات

لو افترضنا أن الكرة الأرضية كلها لم يبق فيها إلا ثلاثة أشخاص أحدهم يملك كل المال الموجود في الأرض والآخران لا يملكان شيئا مع افتراض سيطرة كل مالك على ما يملك سيطرة تامة مع عدم تدخل أي شيء خارجي

ثم وجدنا أن الشخص الثالث استيقظ فوجد أمامه 100 مليار دولار

أي الاحتمالين أصح: أن يكون مالك كل المال هو الذي أعطاه إياها أم الذي لا يملك شيئا ؟

لنزد في الوضع سوءا لنبدل الذي لا يملك مالا بشخص آخر لا يملك مالا ولا حياة (أي بحجرة مثلا) فهل نحتمل أن يكون المعطي هو مالك كل المال أم تلك الحجرة ؟ ثم لنبدل الحجرة بفراغ محض فهل يمكن أن يكون المعطي هو ذلك الفراغ المحض ؟ ثم لنبدل الفراغ المحض بالعدم المحض والذي ينقص عن الفراغ حتى في صفة المكان والزمان فالفراغ له مكان وحيز على الأقل خلافا للعدم فليس له وجود وليس له أي صفة فأيهما الأولى بالإعطاء ؟ العدم المحض أم مالك كل شيء ؟

#ملاحظة: لست أقول إن السائل غير مسلم وإنما السؤال إلحادي ومع ذلك فقد افترضت أن يكون السائل مسلما ويتبناه مسلما فأجبت عنه إن كان السؤال من مسلم كما أجبت عنه إن كان ملحدا

كتبه #صهيب_بوزيدي

No photo description available.

من نفس الموضوع: الإلحاد والرد على الشبهات

الملحد على الطريقة المدخلية

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما تناقش الملحد العربي تحسّ أنك تناقش ملحدا بعقلية شخص مدخلي "ولكن فقط مع استبدال الأسماء والرموز والأفكار". 1 _ تناقش الملحد فيقول لك: قال العلماء،…

جوابا على اعتراض الملحد المصور أدناه

الإلحاد والرد على الشبهات

قبل الجواب أحب التنويه على أن مثل هذا السؤال الساذج والغبي من هذا الملحد المجهول ما كنت لألتفت إليه أو أعيره اهتماما لو صدر منه وحده ولكن سبق لي سماع هذا…

نظرية التطور لا تحل الإشكال الإلحادي

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما ينفي الملحد وجود الله وينفق في ذلك وقتا كبيرا في محاولة إثبات صحة نظرية التطور فإنه يشبه أن تسأل إيلون ماسك عن ثروته التي تبلغ ترليون دولار (من أين…