الحلقة الثانية
(المطلب الأول: تعريف اليقين)
#سلسلة_الابستمولوجيا_الإسلامية (بقلم صهيب بوزيدي)
#المبحث_الأول الشك واليقين
#المطلب_الأول: تعريف اليقين.
لأن مبحث اليقين مبحث تهتم به كل المدارس الفلسفية الابستمولوجية بمختلف أنظمتها وتياراتها ومذاهبها "ابستمولوجيا وتأصيليا وعقائديا" كان من المهم ألا أقتصر على تعريفات طائفة دون طائفة وجب نقل معظم التعريفات الموجودة بغض النظر عن مذاهب أصحابها وفي نهاية المقال أعبر عن قناعتي الخاصة فيما يتعلق بموضوع اليقين.
فما كان مستحقا للنقد والتعقيب عليه من التعريفات المنقولة عن المخالفين سيأتي نقاشه في المطلب الرابع إن شاء الله.
ولأن السلسلة هي للابستمولوجيا الإسلامية والقرآن والسنة هما العُمدة المعرفية عند المسلمين سأبدأ بنقل مواضع ذكر اليقين في القرآن وأما السنة فستكون متضمنة في بعض النقولات التي أوردها عن علماء الإسلام.
#الفرع_الأول: اليقين في كلام الله عز وجل.
#اليقين_في_القرآن:
1 - قال الله: ((أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)) " النمل ".
2 - قال الله: ((وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)) " البقرة "
3 - قال الله ((تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ))
4 - قال الله ((مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)) "سورة النساء"
5 - قال الله ((وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) "سورة المائدة 50"
6 - قال الله ((وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَالْمُوقِنِينَ)) "سورة الأنعام"
7 - قال الله ((يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)) "سورة الرعد"
8 - قال الله ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)) "سورة الحجر"
9 - قال الله ((قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)) "سورة الشعراء"
10 - قال الله ((وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)) "سورة النمل"
11 - قال الله ((وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا "سورة النمل"
12 - قال الله ((أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ))" سورة النمل"
13 - قال الله ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)) "سورة الروم"
14 - قال الله ((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)) "سورة لقمان"
15 - قال الله ((رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ)) "سورة السجدة".
16 - قال الله ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)) "سورة السجدة"
17 - قال الله ((رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)) "سورة الدخان"
18 - قال الله ((وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) "سورة الجاثية"
19 - قال الله ((هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) "سورة الجاثية"
20 - قال الله ((إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)) "سورة الجاثية"
21 - قال الله ((وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ)) "سورة الذاريات"
22 - قال الله ((أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ)) "سورة الطور"
23 -قال الله ((إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ)) "سورة الواقعة"
24 - قال الله ((وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ)) "سورة الحاقة"
25 - قال الله ((لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)) "سورة المدثر"
#الفرع_الثاني: مفهوم اليقين عند اللغويين.
#تعريف_اليقين_عند_اللغويين:
1 - قال الكفوي في كتاب: "االكلّيّات، ص 980".
(اليقين في اللغة مشتقٌّ من يقن الماء في الحوض أي استقرّ)
2 - يقول ابن منظور في كتابه (لسان العرب 15/321)
2 - 1:((يقن : اليقين : العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر ، وقد أيقن يوقن إيقانا ، فهو موقن ، ويقن ييقن يقنا ، فهو يقن . واليقين : نقيض الشك ، والعلم نقيض الجهل ، تقول علمته يقينا . وفي التنزيل العزيز : وإنه لحق اليقين ; أضاف الحق إلى اليقين وليس هو من إضافة الشيء إلى نفسه ; لأن الحق هو غير اليقين ، إنما هو خالصه وأصحه فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل . وقوله تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ; أي حتى يأتيك الموت ، كما قال عيسى بن مريم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ، وقال : ما دمت حيا وإن لم تكن عبادة لغير حي ; لأن معناه اعبد ربك أبدا ، واعبده إلى الممات ، وإذا أمر بذلك فقد أمر بالإقامة على العبادة)).
2 - 2: ثم يتابع ابن منظور لينقل كلام "ابن سيده" في التعبير عن اليقين بالظن والظن باليقين في لغة العرب أحيانا فقال:
((قال ابن سيده: ثم يقن الأمر يقنا ويقنا وأيقنه وأيقن به وتيقنه واستيقنه واستيقن به وتيقنت بالأمر واستيقنت به كله بمعنى واحد ، وأنا على يقين منه ، وإنما صارت الياء واوا في قولك موقن للضمة قبلها ، وإذا صغرته رددته إلى الأصل وقلت مييقن: وربما عبروا بالظن عن اليقين وباليقين عن الظن ; قال أبو سدرة الأسدي ، ويقال "الهجيمي" :
"تحسب هواس وأيقن أنني بها مفتد من واحد لا أغامره"
يقول : تشمم الأسد ناقتي يظن أنني أفتدي بها منه وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته ، وإنما سمي الأسد هواسا لأنه يهوس الفريسة أي يدقها)).
2 - 3: ثم ينقل ابن منظور كلام كراع واللحياني وأبي زيد الذي استشهد ببيت للأعشى فقال:
((عن كراع ، ورجل ميقان كذلك ; عن اللحياني ، والأنثى ميقانة ، بالهاء ، وهو أحد ما شذ من هذا الضرب . وقال أبو زيد : رجل ذو يقن لا يسمع شيئا إلا أيقن به . أبو زيد : رجل أذن يقن ، وهما واحد ، وهو الذي لا يسمع بشيء إلا أيقن به . ورجل يقن ويقنة : مثل أذن في المعنى أي إذا سمع شيئا أيقن به ولم يكذبه . الليث : اليقن اليقين ; وأنشد قول الأعشى:
"وما بالذي أبصرته العيو ** ن من قطع يأس ولا من يقن"))
3 - يقول الفيّوميّ في كتاب "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير 2/681"
((اليقين هو الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلَالٍ)).
4 - يقول الزبيدي والصاحب بن عباد في كتابيهما على الترتيب "تاج العروس من جواهر القاموس 18/596" و"، المحيط في اللغة، 6/36"
((عرّف اللغويون اليقين بأنّه إزالة الشكّ وإزاحته)).
5 - يقول الراغب الأصفهاني في "مفردات ألفاظ القرآن، ص 892":
((اليقين سكون الفهم مع ثبات الحكم))
#الفرع_الثالث: تعريف اليقين عند علماء الإسلام
#مفهوم_اليقين_عند_شيخ_الإسلام_ابن_تيمية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "مجموع الفتاوى 3/329"
"وأما اليقين فهو طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه، وهو معنى ما يقولون ماء يقن إذا استقر عن الحركة وضد اليقين الريب وهو نوع من الحركة والإضطراب يقال رابني يربيني ومنه في الحديث أن النبي مر بظبي حاقف فقال «لا يريبه أحد». ثم اليقين ينتظم منه أمران علم القلب وعمل القلب فإن العبد قد يعلم علما جازما بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك إما لغفلة القلب عن هذا العلم، والغفلة هي ضد العلم التام، وإن لم يكن ضدا لأصل العلم وأما للخواطر التي تسنح في القلب من الإلتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك".
#مراتب_اليقين_عند_شيخ_الإسلام_ابن_تيمية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "مجموع الفتاوى الجزء 10"
((للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة. منها: أن يقال: {عِلْمَ الْيَقِينِِ}ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر، و{عَيْنَ الْيَقِينِ} ما شاهده وعاينه بالبصر، و{حَقُّ الْيَقِينِ} ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار. فالأول: مثل من أخبر أن هناك عسلًا، وصدق المخبر. أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده. والثاني: مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه، وهذا أعلى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " ليس المخبر كالمعاين". والثالث: مثل من ذاق العسل، ووجد طعمه وحلاوته، ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله؛ ولهذا يشير أهل المعرفة إلى ما عندهم من الذوق والوجد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا للّه، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقي في النار"،، وقال صلى الله عليه وسلم "ذاق طعم الإيمان: من رضى باللّه ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا" فالناس فيما يجده أهل الإيمان ويذوقونه من حلاوة الإيمان وطعمه على ثلاث درجات: الأولى: من علم ذلك مثل من يخبره به شيخ له يصدقه، أو يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم، أو يجد من آثار أحوالهم ما يدل على ذلك. والثانية: من شاهد ذلك وعاينه، مثل أن يعاين من أحوال أهل المعرفة والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم، وإن كان هذا في الحقيقة لم يشاهد ما ذاقوه ووجدوه، ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو أبلغ من المخبر، والمستدل بآثارهم. والثالثة: أن يحصل له من الذوق والوجد في نفسه ما كان سمعه، كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذا الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: إنه ليمر على القلب أوقات يرقص منها طربًا. وقال الآخر: لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم. والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات: إحداها: العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل، وما قام من الأدلة على وجود ذلك. الثانية: إذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار. والثالثة: إذا باشروا ذلك؛ فدخل أهل الجنة الجنة، وذاقوا ما كانوا يوعدون، ودخل أهل النار النار، وذاقوا ما كانوا يوعدون، فالناس فيما يوجد في القلوب، وفيما يوجد خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث. وكذلك في أمور الدنيا: فإن من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ولم يذقه كان له علم به، فإن شاهده ولم يذقه كان له معاينة له، فإن ذاقه بنفسه كان له ذوق وخبرة به، ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته، فإن العبارة إنما تفيد التمثيل والتقريب. وأما معرفة الحقيقة فلا تحصل بمجرد العبارة، إلا لمن يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه، وعرفه وخبره؛ ولهذا يسمون أهل المعرفة؛ لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر والنظر، وفي الحديث الصحيح "أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور النبي صلى الله عليه وسلم قال: فهل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه ؟ قال: لا، قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلب لا يسخطه أحد". فالإيمان إذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب، بل يحبه ويرضاه، فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه، والناس متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذي في القلب له من البشاشة ما هو بحسبه))
#مفهوم_اليقين_عند_الإمام_أبو_حامد_الغزالي:
قال الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال ص: 60" ما نصه:
((فظهر لي: أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك؛ بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنة، لو تحدى بإظهار بطلانه مثلًا من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكًّا وإنكارًا؛ فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا، بل الثلاثة أكثر من العشرة، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً ، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك فيما علمته، فلا. ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه، فليس بعلم يقيني)).
#اليقين_عند_الإمام_ابن_القيم:
ذكر ابن القيم في كتابه"مدارج السالكين 2/399" في تعريف اليقين:
((ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلا وهذا نهاية الإيمان وهو مقام الإحسان)).
#مراتب_اليقين_عند_ابن_القيم:
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه "مدارج السالكين 2/400"
((يريد بيقين الخبر : سكون القلب إلى خبر المخبِر، وتَوَثُّقُة به .
وبيقين الدلالة : ما هو فوقه ، وهو أن يقيم له ، مع وثوقه بصدقه : الأدلة الدالة على ما أخبر به ، وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن ، فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين ، يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره ، فيحصل لهم اليقين من الوجهين : من جهة الخبر ، ومن جهة الدليل .
فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة ، وهي يقين المكاشفة ، بحيث يصير المخبَر به لقلوبهم ، كالمرئي لعيونهم ؛ فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب : كنسبة المرئي إلى العين .
وهذا أعلى أنواع المكاشفة ، وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيس في قوله : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . وليس هذا من كلام رسول الله ولا من قول علي كما يظنه من لا علم له بالمنقولات)).
#الفرع_الرابع: (اليقين عند المناطقة والفلاسفة والمتكلمين)
1 - قال الطباطبائيّ في "نهاية الحكمة، ص 18".
((اليقين على الإطلاق هو أن يعتقد في الشيء أنّه كذا أو ليس بكذا، ويوافق أن يكون مطابقًا غير مقابلٍ لوجود الشيء من خارجٍ، ويعلم أنّه مطابقٌ له، وأنّه غير ممكنٍ أن لا يكون قد طابقه، أو أن يكون قد قابله، ولا يوجد في وقتٍ من الأوقات مقابلٌ له، وأن يكون ما حصل من هٰذا حصل لا بالعرض، بل بالذات))
2 - قال اليزديّ "الحاشية على تهذيب المنطق، ص 111".
((التصديق الجازم المطابق للواقع الثابت، فباعتبار التصديق لم يشمل "الشكّ" و"الوهم" و"التخييل" وسائر التصوّرات، وقيد الجزم أخرج "الظنٍّ" والمطابقة "الجهل المركّب" والثابت "التقليد"))
3 - قال السهرورديّ "مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق 4/180":
((هو الاعتقاد بأنّ الشيء كذا وأنّه لا يتصوّر أن لا يكون كذا ويطابق الأمر في نفسه))
#الفرع_الخامس: اليقين في الفلسفة الغربية المعاصرة
#اليقين_في_الابستمولوجيا_الغربية: سأنقل مجموعة من المفاهيم من خلال مجموعة من الفلاسفة المتخصصين في الابستمولوجيا والفلسفة الأخلاقية الغربية وهم:
#البروفيسور_بجامعة_أكسفورد_Peter_Unger
#البروفيسور_بجامعة_آريزونا_وميامي_Keith_Lehrer
#الفيلسوف_الأخلاقي_البريطاني_Bernard_Williams
#الفيلسوف_الأخلاقي_الأمريكي_Fred_Feldman
#الفيلسوف_الميتاابستمولوجي_Richard_Fumerton
#الفيلسوف_الابستمولوجي_Peter_David_Klein
#يقول_Reed_Baron:
((Like knowledge, certainty is an epistemic property of beliefs. (In a derivative way, certainty is also an epistemic property of subjects: S is certain that p just in case S's belief that p is certain.) Although some philosophers have thought that there is no difference between knowledge and certainty, it has become increasingly common to distinguish them. On this conception, then, certainty is either the highest form of knowledge or is the only epistemic property superior to knowledge. One of the primary motivations for allowing kinds of knowledge less than certainty is the widespread sense that skeptical arguments are successful in showing that we rarely or never have beliefs that are certain (see Unger 1975 for this kind of skeptical argument) but do not succeed in showing that our beliefs are altogether without epistemic worth (see, for example, Lehrer 1974, Williams 1999, and Feldman 2003; see Fumerton 1995 for an argument that skepticism undermines every epistemic status a belief might have; and see Klein 1981 for the argument that knowledge requires certainty, which we are capable of having).)).
#المرجع:
(Reed, Baron, "Certainty", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2011 Edition), Edward N. Zalta (ed.)).
#أُترجمُ "صهيب" كلامه كما يلي:
اليقين كالمعرفة؛ هو خاصية اِبستمية للعقائد. (بطريق الاشتقاق؛ اليقين هو أيضًا خاصية اِبستميّة للموضوعات: الموضوع S عنده يقين بِالمحمول P فقط عندما تكون عقيدة S هي يقينية P.) على الرغم من أن بعض الفلاسفة يعتقدون أن ليس هناك فرق بين المعرفة واليقين، إلا أن الأمر يتحول بسرعة إلى شيوع القول بتمايزهما، فوفقا لهذا المفهوم، فاليقين إما أن يكون أعلى شكل من أشكال المعرفة وإما أن يكون الخاصية الاِبستمية الوحيدة التي تفوق المعرفة. أحد العوامل أو المحفزات الأساسية التي تجعل الأنواع المعرفية أقلّ من درجة اليقين هو الانتشار الواسع للتيار أو الاتجاه لأصحاب الجدلية الشكوكية نجح في إظهار أننا نادرًا ما نصل إلى اليقين أو لا نملك معتقدات يقينية أصلا؛ (انظر Unger 1975 في مثل هذا النوع من الجدل الشكوكي) ولكنها لم تنجح في إظهار أن معتقداتنا جميعا بدون قيمة أو أحقية ابستمولوجية (انظر ، على سبيل المثال ، Lehrer 1974 و Williams 1999 و Feldman 2003 ؛ انظر Fumerton 1995 بخصوص الطرح الذي مفاده أن الشكوكية تقوّض "تهدم" كل طرح ابستمولوجي حول إمكانية الاعتقاد؛ وانظر Klein 1981 بخصوص الطرح القائل بأن المعرفة تتطلب اليقين؛ والذي نقدر على تحصيله).
#أقول_صهيب:
فالعِلم هو مطابقة الكليات الذهنية للمتعينات الواقعية "خارج الذهن" وهو ما يعبر عنه بإدراك الشيء على حقيقته إدراكا جازما.
والإدراك الجازم هو الإدراك اليقيني وله عدة مراتب (علم اليقين؛ عين اليقين؛ حق اليقين).
وعند الحديث عن المطابقة بين الكلي الذهني والواقع فإن المقصود إصابة التصور العقلي لحقيقة الشيء ومجرد الجزم بالمطابقة لا يحقق العلم بل قد يكون هو الجهل المركب في حال عدم المطابقة حقيقة (فهو يطابق بذهنه شيئا غير موجود في خارج أو أن الموجود في الخارج يطابقة كلية تختلف عن التي في ذهن المتصور فهو يجهل ويعتقد جازما أنه يعلم وحقيقته الجهل بجهله).
كذلك لا يدخل في العلم بالشيء مطابقة الكلية الذهنية للمتصور لها لصورة في ذهن شخص آخر وإلا صار عالما بتصور الشخص للكلية لا بحقيقة الشيء ذاته إذ أن تصور الشخص الثاني إما أن يكون مطابقا للحقيقة فوجب الاستدلال ابتداءً على مطابقة تصوراته لها أو لجنسها ومجالها فيكون الرجوع إلى تصوره مؤديا للحقيقة ذاتها من طريق الخبر "التصديق" وإما ألا يكون تصوره صحيحا أو يكون كاذبا في نقل التصور الصحيح فينقل صورة وهمية مخالفة للصورة القائمة في ذهنه فعندها يكون الطريق إلى الحقيقة من خلاله منقطعا لا يفيد العِلم بالشيء إلا إن كان المعلوم المراد هو معرفة كلامه بغض النظر عن تصديقه أو تكذيبه فيكون الشيء في هذه الحالة هو "ماذا قال هذا المتصور وما الذي يصرح بتصوره" ثم يكون البحث الذي يليه "هل أصاب أم أخطأ؟ هل تعمد الخطأ أم أراد الحق ولم يُصبه"
وتختلف مراتب اليقين باختلاف مصادرها المعرفية فما كان مصدره البديهيات يكون قويا ثم تليه درجة المحسوسات وهي غير منفصلة عن آلة الإدراك العقلية وقد تتساوى معها في الرتبة اليقينية المعلومات العقلية المركبة من البديهيات إن كان تركيبها مجزوما بصحة تناسق مقدماته مع نتائجه ومن ثم طريق الخبر المجزوم بصدقه وتتفاوت مراتب اليقين في طريق الخبر بحسب النّاقل وأوصافه فالعليم التام أولى بالتصديق من صاحب العلم الناقص الصادق وهو أولى بالتصديق ممن يقل عنه علما وصدقا وهو أولى بالتصديق ممن يكون له غرض أو فائدة في الكذب وهكذا تتفاوت المراتب في التصديق بين تصديق تام وتصديق يغلب عليه الظن وتصديق يخالطه الشك وتصديق يغلب عليه الوهم أو التكذيب بالكلية إمكانا ثم وجوبا.
وفي الحلقة القادمة إن شاء الله سأتناول موضوع "تعريف الشك" وهو عنوان المطلب الثاني من مبحث الشك واليقين من الفصل الأول "إمكانية المعرفة".
كتبه #صهيب_بوزيدي.

