أيهما أسبق في المعرفة البديهة أم الحس
ما الدليل على أن التفاحة كلها أكبر من جزئها؟
الدليل على ذلك هي المسلّمة / البديهية: "الكل أكبر من الجزء".
وما الدليل على أن القاعدة "الكل أكبر من الجزء" صحيحة؟
قال التجربانيون: الدليل هو أننا استقرأناها.
نقول: وعند استقرائكم لأول حالة ونظركم في أول حالة حكمتم عليها بأن كلها أكبر من جزئها "هل كانت هذه القاعدة حاضرة في أذهانكم أم غائبة" فإن كانت حاضرة فهي المقدمة للحس وليس الحس مقدمة لها.
وإن كانت غائبة فما الدليل على أن أول حالة كانت عبارة عن "هذا الشيء كله أكبر من جزئه"؟
قالوا: المشاهدة الحسية.
نقول: الحس رأى صورة لتفاحة ورأى صورة لنصف تفاحة فما الدليل الذي جعله يحكم بأن التفاحة كلها أكبر من جزئها؟
قالوا: الحس يرى أن حجم الكلية أكبر من حجم الجزئية.
نقول: لنقل أن الحس يرى أن حجم التفاحة كاملة 5 سنتمتر مكعب وحجم جزء منها 2 سنتمتر مكعب.
فما الدليل الحسي على أن 5 أكبر من 2 ؟.
سيقولون: لأن الحس عندما شاهد 5 أشياء وجد أنها أكبر من شيئين فعلم أن 5 أكبر من 2.
نقول: عندما شاهد 5 أشياء وشاهد شيئين ما الدليل على أن هذه الخمسة أكبر من الشيئين؟ الحس يعطيك النتائج ولا يعطيك حتى الحساب يعطيك صورة كالصورة التي ينقلها إليك هاتفك من خلال عدسة الكاميرا ولا يعقل عددها فضلا على أن يقارن بينهما في الكم والجودة.
فمن الخطأ اعتبار الحس هو المصدر المعرفي الأولي مجردا عن البديهيات العقلية الأولية.
ومنه: فلا بد من وجود مسلمات عقلية لا يُسأل عن الدليل عليها لأن عقول الناس جميعا وُلدت وهي تعرف هذه المعلومة وتعمل بها دون الاستغناء عنها وحتى الذين أنكروها نظريا يستعملونها تطبيقيا.
ولذلك يولد الطفل ببديهية البكاء عن الشعور بالجوع أو الألم فهو لا يضحك ليعبر عن جوعه أو ألمه بل يبكي وهذه بديهية ولد بها.
وعند الجوع تُقرب له أي شيء فيريد أن يشربه "وهذا شاهدته في ولدي بعدما ولد بساعة واحدة" كان يريد شرب أي شيء يقترب منه فمن علمه خاصية الرضاعة؟ حتى عندما ينزل عليه قماش يحاول شربه.
فهو ولد وعنده بديهية الشرب.
كذلك سلاحف البحر تولد فتتجه للبحر مباشرة وأمها غائبة ومعلوم أنها تموت لو لم تدخل البحر بسرعة فمن علمها ذلك ؟.
معناه أن البديهيات العقلية سابقة للحس والخبر معا.
والبديهيات العقلية هي ما يُصطلح عليها إسلاميا بالفطرة وتشمل الغريزة والمسلمات الرياضية.
قال السفسطائيون: لا توجد بديهية عقلية إذ لابد لكل مقدمة من مقدمة قبلها وبما أن ذلك مستحيل إذ يؤدي للتسلسل فالوصول للمعرفة مستحيل.
نقول: قد وقع هؤلاء في شر ما هربوا منه وذلك من وجهين:
الأول: قولهم "لابد لكل مقدمة من مقدمة قبلها" هو في الحقيقة مسلّمة عندهم وإلا فما المقدمة التي بنوا عليها هذا الكلام؟
الثاني: قولهم "الوصول للمعرفة مستحيل" مبني على أنهم وصلوا لهذه المعرفة وهي أنهم عرفوا معلومة "الوصول للمعرفة مستحيل".
الثالث: قولهم ب"استحالة الوصول للمعرفة بسبب لزوم التسلسل" يلزمهم باستحالة وصولهم لهذه المعرفة التي وضعتها بين مزدوجتين "استحالة الوصول للمعرفة بسبب لزوم التسلسل" وذلك بسبب لزوم التسلسل فيها أيضا.
قولهم: لا يوجد يقين هو عندهم يقين بعدم وجود اليقين.
وبناء على ما سبق نعلم بأن وجود الضروريات العقلية لابد منه للوصول إلى المعرفة وطرد السفطائيين لمذهبهم في هذه كان أقل تناقضا من قول التجربانيين الذين نفوا وجود الحقائق المطلقة وجعلوا الحس أوليا في المعرفة ثم لا يعرفون الشيء إلا بتطبيق القواعد البديهية عليه كما سبق بيانه اضافة إلى أن نفيهم للحقائق المطلق هو عبارة عن حقيقة مطلقة عندهم وإنما نفوا الحقائق المطلقة لاستحالة استقراء كل شيء وهذا مبني على مقدمة باطلة وهي "مصدر الحقيقة الأولي هو الحس والاستقراء إنما هو مراكمة للمعلومات الحسية عندهم" بينما الواقع أن الاستقراء لا يكون في القواعد البديهية فهي التي يستدل بها على غيرها ولا يستدل عليها.
فمثلا: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ هذه قاعدة أولية لم نعلمها بسبب الاستقراء ولأنهم يحسون بضروريتها في قرارة أنفسهم لم يستطعوا أن يجمعوا بين قولهم (لا توجد حقيقة مطلقة / كل الحقائق نسبية) ولازم قولهم (توجد حقيقة مطلقة وهي: "كل الحقائق نسبية" فتكون هذه الحقيقة غير نسبية)
فلم يستطيعوا أن يقولوا (لا توجد حقائق مطلقة أبدا) والقول (توجد حقائق مطلقة) فلا يستطيعون اضافة معلومة نقيضة للمعلومة التي قرروها أول مرة ولو كانت لازمة لقولهم الأول.
ثم إن القول بأن الحس هو المصدر الأولي في المعرفة معتمد على مسلّمة عقلية عندهم وهي "الحس هو المصدر الأول للمعرفة" ولم يصلوا لهذه للقاعدة عبر الحس إذ يلزمهم للدور فلا يمكن للوصول للقاعدة إلا بالحس ولا يمكنهم اعتبار الحس مصدرا للمعرفة إلا بهذه القاعدة وهذا ممتنع باتفاق العقلاء.
#تعديل: هذا المقال كُتبَ قبل انطلاقة السلسلة وبقية حلقات السلسلة ستكون مرقمة وقد تم نشر أول حلقة وهي مقدمة السلسلة بعد نشر خطتَي بحث الفصل الأول والثاني
كتبه #صهيب_بوزيدي.
