أربعة ملاحظات لمن يهتم بالمنطق
#الملاحظة_الأولى
المبتدئ في علم المنطق والفلسفة يُغرِبُ بالألفاظ ويُحاول جعل كلامه مثل الطلاسم بينما المتمرس فيهما يحاول إيضاح الحجة بقدر الإمكان ولا يستعمل من الألفاظ الغريبة على الناس إلا ما كان من جنس مصطلحات العلم فلكل علم مصطلحاته وتُدعى بالمصطلحات التقنية؛ وكلما تعمق الرجل في علم المنطق كلما تمكن من ترجمة كلامه المنطقي إلى معادلات رياضية قطعية وكلما ازدادت قوته العقلية كلما ازدادت أدلته وضوحا.
أرسل لي أحدهم كلاما له فقلت له "لم أفهمه" ففرحَ؛ ثم استخرجت من كلامه بعض الأخطاء اللغوية والتركيبية ثم عمدتُ للتفريق بين مدلول اللفظ المنطوق والمعنى المقصود في ذهنه فتبيّن له أن كلامه رُكّبَ بشكلٍ خاطئ فعلِم إن عدم فهم الكلام لا يعني كون الكلام قويا ذا مستوى عالٍ كما لا يعني بالضرورة أن المُستمع أو القارئ ضعيف في المستوى إنما قد يكون سبب عدم فهم الكلام هو العيب في المُتكلِّم لا المتلقي.
وهناك من يعتمد على استعجام المتلقي بمصطلحات وعبارات لا يفهمها في طرحه للمقدمات ثم يعطيه النتيجة الواضحة حتى يدفعه إلى التسليم بها خوفا من تهمة عدم الفهم؛ وذلك كأن أقول لك: "الدليل على صحة "أ" هو "x" علما أن "x" غير معلوم المعنى لديك؛ فالبعض قد يستحي أن يسأل عن معنى "x" فيُسلّم بصحة "أ" مباشرة وهذا خطأ؛ والصواب أن تستفصل عن معنى "x" وبالنسبة لي -صهيب- فإني إن استفصلت عن المعنى المراد من المقدمات ك"x" مثلا فإن أفعل ذلك موقنا بأن الخلل إما في استعمال المتكلم لعبارات في غير محلها حتى صارت غير مفهومة أو استعماله لعبارات قد اخترعها من رأسه ولم يصطلح عليها غيره أو لأنه يتكلم بكلام ليس للفظه أي معنى فأستفصل وكلي ثقة أن العيب عنده لا عندي؛ ذلك لأنه لو تكلم بكلام سليم فمهما حاول الإغراب والاستعجام فإني أفهم المصطلحات ومدلولاتها بل وغالب الأطروحات والاستدلالات إلا إن أتى بشيء من عنده؛ فإن كان اصطلاحا من عنده طلبت منه توضيحه لأناقشه في معناه لا لفظه؛ وإن كان استدلالا جديدا نظرتُ فيه فإن وجدته موافقا للصواب وافقته عليه وإن وجدته مخالفا بينت له موضع عدم الربط بين المقدمات والنتائج أو المقدمات التي لا أسلّم له بصحتها أو بين النتيجة التي يظنها نهائية وأظنها مجرد مقدمة لنتيجة يجب أن يبين الربط بينها وبين تلك المقدمة.
#الملاحظة_الثانية:
المبتدئ في علم المنطق يظن أن كل الناس لم يتوصلوا بعلمهم لمعرفة محتوى المادة التي يدرسها فيظن ما وجده جديدا عليه جديدا على كل من سواه أيضا؛ لذلك تجده يسلّم بكل ما يسمعه أو يقرؤه على أنه الحق المحض الذي من خالفه فقد جهله؛ ولذلك كنت في حوار مع شخص ما فقال لي "هل تعرف المستحيلات العقلية السبعة"؟ فقلتُ له: المستحيل لذاته لا يكون إلا ما رُكّب من قضيتين متناقضتين أو ناقض قضية واجبة الصحة؛ وكل طريق غير مبنية على مبدأ عدم اجتماع النقيضين فهي طريق خاطئة أو أنها فرعٌ عن المبدأ تظنها أصلا موازيا له؛ ثم أثبتت له أن مستحيلاته المذكورة ما بين فرع عن مبدأ التناقض وخطأ لا دليل على استحالته فتراجع تراجعا جزئيا ثم تخبط فعلم أنه لا يناقش مقلدا مثله فعَمِد إلى سوء الأدب ليبيح لي حظره رغم أن الحوار كان خاصا.
كذلك الدور السبقي القبلي وجه الامتناع فيه تركيبه من قضيتين متناقضين فالقول بأن "أ" لا يكون إلا قبل "ب" و "ب" لا يكون إلا قبل "أ" معناه أن "أ" قبل "ب" وبعدها في آن واحد وهذا تناقض (أي أنها قبلها وليست قبلها x/-x) وكذلك يلزم التناقض من وجه آخر إذ يكون أ معدوما في القضية ("أ" قبل "ب") وموجودا في القضية ("ب" قبل "أ") فيكون معدوما وموجودا في آن واحد وهذا تناقض ونفس الشيء فيما يخص "ب" تكون موجودة ومعدومة في آن واحد.
ومنه فقد يغفل حتى أصحاب الوزن الثقيل في بيان وجه الامتناع فيما يخص قضية معينة فيحيلونها لنوع هو في الحقيقة فرع عن التناقض وقد يجدون امتناعه ضروريا بمجرد تصوره بينما حقيقة امتناعه هو التناقض وهي مقدمة تسبق مقدمة ذاك الفرع وهنا يكون الفرق بين المتمنطق المجتهد والمتمنطق المقلد؛ وعلم المنطق هو علم عقلي محض ويُفسده التقليد؛ لأن تصنيف العلم في مصادر المعرفة هو "المصدر العقلي" والتقليد فرعٌ عن المصدر "النقلي" والخلط بين المصدرين خطأ فاحش.
#الملاحظة_الثالثة:
لا يُحتج بالإجماع ولا بآراء المناطقة في علم المنطق وإنما الحجة في الدليل لذاته من الوجه العقلي؛ وقد يُحتج بتعريفاتهم واصطلاحاتهم وقد يُناقشون في الاصطلاح إن كان قاصرا غير متضمن لكل المفاهيم الموجودة كما هو اصطلاحهم في "العَرَض" فمن جهة كونه "القائم بغيره" يكون الوصف شاملا ولكنهم جعلوه مما يعرض على الذات فاستلزموا منه الحُدوث وهذا غير شامل لكل ما لم يكن قائما بذاته إذ هو تعريف مبني على استقراء الموجودات الحادثة والتي تكون ذواتها حادثة فضلا عن أعراضها ولا يلزم هذا الموجود التام المطلق؛ لذلك فلو أن مجموعة في أدغال إفريقيا لم يشاهدوا في حياتهم غير البشر السود اصطلحوا على تعريف الإنسان بمفهومه المعلوم ثم أضافوا قائلين "ولونه أسود" فإنك لو أردت إدخال الإنسان الأبيض في اصطلاحهم لن تجد له مكانا إلا إن حذَفت شرط السواد الذي بُني على استقراء ناقص منهم إذ لم يُدركوا غير الإنسان الأسود فظنوا كل الناس سودا وهنا وجب التفريق بين الحقائق المطلقة؛ التي يولد الإنسان وقد زرعها الله فيه "فطره عليها" فهي المقدمات التي يُستدل بها ولا يُستدل عليها وهي البديهيات / المسلّمات التي تُقبَل بدون برهان؛ وبين الحقائق التي قد تكون مطلقة وقد تكون نسبية فهو لا يعلم منها إلا ما استقرأه.
فإن عُلم أن الاستدلال بالإجماع في المنطق خطأ لا يفعله من فهم مصدر المنطق المعرفي عُلم بالضرورة أن الاستدلال بقول آحاد المناطقة خطأ من باب أولى.
#الملاحظة_الرابعة:
علم المنطق من حيث كونه علما عقليا تتفرع عنه الرياضيات بشقيها الهندسي والجبري هو عِلمٌ مجرد محايد وأعني به "العلم العقلي" الذي لا يخضع لا لقواعد أرسطو ولا لقواعد غيره؛ فكما أسس أرسطو هذا العلم أول مرة في شكل منظم فإن هذا العلم كان قائما في ذهنه قبل أن يطرحه وكما أن أرسطو متمنطق لم يدرُس علم المنطق إذ لم يكن مطروحا قبله يمكن لغيره تأسيس نظام منطقي مستقل عن النظام الأرسطي؛ لذلك فعلم المنطق ليس ضلالة لذاته إنما الضلال في أنظمة منطقية معينة ولو سلمنا أن كل الأنظمة المنطقية فيها من الضلال ما فيها فلا يمنع ذلك من إمكانية وجود نظام منطقي سليم "ولو مستقبلا" كما لا يمنع أن يكون في كلام المناطقة ما هو حق؛ بل حتى بعض النتائج الخاطئة قد يكون في مقدماتها التراكمية ما هو حق كأن تكون أ0 صوابا وهي دليل على صحة أ1 وهي دليل على صحة أ2 وهي دليل على صحة أ3 فتكون كل هذه المقدمات صحيحة ثم يكون الاستدلال على الوصول إلى أ4 ب: أ3 خطأً فننكر هذه المرحلة دون ما سبقها من المراحل؛ ومن الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الناس رد كل المقدمات ولو كانت صحيحة لمجرد خطأ النتيجة كما نجد في المقابل من يسلّم بصحة مقدمات مغلوطة لمجرد أن المستدل بها وصل إلى نتيجة صحيحة أو مسلم بصحتها عند المتلقي وقد يُستدل على النتيجة الصواب بالدليل الخطأ الذي ينتج عن التسليم بمقدماته كوارث من نواحٍ أخرى.
ولذلك فمن شاء السلامة لنفسه فلينظر في المقدمات والنتائج معا فإن كانت حقا جميعا فذلك هو الحق وإن وجد فيها باطلا بين موضعه دون رمي كل المقدمات معه بما قد صح منها.
والأفضل للمسلم أن يجعل القرآن والسنة منارة له في خوض غمار المنطق فإنهما خير معين ومرشد لطريق الحق حتى في باب المنطق فكل ما قُرر في الوحيين فهو حق والدليل العقلي عليه موجود إما في الوحيين وإما في البديهيات العقلية التي فطرنا الله عليها وهنا يستعمل المرء عقله لتوسيع مداركه دون الخوف من الزيغ والضلال إذ معه خير عاصم جمع بين الأدلة العقلية والتنبيه على الأدلة الحسية كما أنه للمؤمنين خير مرشد نقلي والحمد لله الذي جعل طُرق الوصول إلى الحق كثيرة وأرسل إلينا نبيه هاديا وسراجا منيرا صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
#الصورة: لا علاقة لها بالموضوع إنما هي استدراج لمن لا يقرأ المقال ويهاجم الصور.
كتبه #صهيب_بوزيدي.

