نظرية التطور لا تحل الإشكال الإلحادي

عندما ينفي الملحد وجود الله وينفق في ذلك وقتا كبيرا في محاولة إثبات صحة نظرية التطور فإنه يشبه أن تسأل إيلون ماسك عن ثروته التي تبلغ ترليون دولار (من أين لك هذا؟) فيعطيك أوراقا ومجلدات كبرى يحاول فيها إثبات مصدر كسبه ل 1 دولار فقط ثم لا يحاول حتى الكلام عن مصدر بقية الترليون دولار.

الكائنات الحية كلها بنباتاتها وحيواناتها نسبتها إلى حجم كوكب الأرض تبلغ 1 من ترليون.

ولو نظرنا لنسبتها بالنسبة الكون المدرك فإنها تبلغ 10 قوى -54 % أي: 0.00000000000000000000000000000000000000000000000000000001% فقط من الكون المدرك والكون المدرك هو ما بلغ ضوء نجومه أن يصل إلى كوكب الأرض ولا تحتسب فيه المناطق التي لم يصل ضوء نجومها إلى الأرض بعد والتي قد تكون أضعاف أضعاف ما وصلنا (ومما لا شك فيه أننا هنا في مقام الكلام مع الملحد إلزاما فقط وإلا فعقيدتنا أن كل هذا الكون المدرك وما لم ندركه بعد ليس سوى المسافة إلى ما تحت السماء الأولى "السماء الدنيا" لكن لنسلم جدلا أننا نسأل عن كل مساحة الوجود مما نقول للملحد "إنه كون مخلوق" ويقول هو "ليس مخلوقا وليس أزليا".

فقبل أن نفتح ملفا لمناقشة نظرية التطور مع الملحد من الأساس هل ترى أن هذه النظرية تفسر غياب الخالق أصلا حتى مع التسليم جدلا بصحتها ؟ وطبعا لا نسلم بصحتها حقيقةً إلا بعض جزئياتها مثل "قابلية التكيف لدى الأحياء ولا يلزم منها بالضرورة التطور النوعي أي بالانتقال من نوع إلى نوع آخر" فالتطوريون يبنون أباطيلهم على بعض المقدمات الصحيحة ثم يتمون تلك الفراغات بالاداعاءات غير اللازمة فهو يثبت لك وجود التشابه بين أصناف معينة سواء على مستوى DNA الذي لم تقسه بنفسك أصلا ولكننا نسلم بصحة نتائجهم أو على مستوى التشابه الشكلي أو الوظيفي أو كأن يقول لك (غياب إفراز فيتامين c لدى الإنسان والقرود يدل على أنهما من سلف مشترك أصابتهم نفس الطفرة في ذاك السلف المشترك) وهذا مجرد استنتاج لا يلزم "فمن الناحية الخلقوية نقول إن الله شاء أن يخلق هذا وذاك على تلك الطبيعة المتشابهة ولنا أقوال لا تحصى لتبرير وجود هذا التشابه وليس شرطا أن يكونا من سلف مشترك بالضرورة (نحن نرى أنهما من مصدر خلق مشترك) فإن كان المصدر المشترك هو ما يرضي الملحد فيمكننا تفسير كل ما يريد تفسيره بالسلف المشترك بعبارة أخرى تؤدي نفس الغرض (المصدر المشترك) سواء في الخالق أو مادة الخلق وبدل أن يقول: الانتخاب الطبيعي جعل الإنسان والقرد لا يفرزان فيتامين c لسهولة عثورهما عليه في الفواكه والخضروات يمكن القول (الله لم يخلقهما بطبيعة تفرز هذا الهرمون لعدم حاجتهما إليه ولقدرتهما على كسبه من الفواكه والخضروات وخلق بقية الكائنات تفرزه بذاتها لحاجتها إليه ونجعل ذلك من حكمة الله ودقته في الخلق) فقد تأملت إلى الملاحدة فوجدهم كالمشركين ينسبون الحكمة والأفعال والغائية لقانون (لم يثبتوا أصلا من أين جاء) قانون الانتخاب الطبيعي، قانون البقاء والحفاظ على النسل ثم يجيبونك ببساطة: ليس هناك غائية وإنما الكائنات التي قدرت على البقاء بقيت والتي لم تقدر انقرضت (وهذا ليس جوابا لأن السؤال أصلا: لماذا قدرت هذه على البقاء لولا أن وجد في نظامها البيولوجي على الأقل ما يمكنها من القدرة على البقاء ؟)

وهو كأن تسأله: لماذا نجح 22 تلميذا في الفصل وفشل 22 تلميذا آخرون ؟

فبدل أن يجيبك بأن الناجحين: اجتهدوا وعملوا وكانت لهم قدرات عقلية تمكنهم من الحفظ والوعي والفهم والدراسة بالإرادة الحرة يجيبك باختصار: لأن من نجح هو الذي بقي في الجامعة ومن لم ينجح لم يبق له وجود في الجامعة.

السؤال (لماذا نجح أصلا ؟ ما الذي فعله كي ينجح ؟) وليس (لماذا بقي في الجامعة بعد أن نجح وفشل غيره) نحن نسأل عن كيفية نجاحه لا عن سر بقائه بعد التسليم بنجاحه وفشل غيره.

نحن نسأل الملحد عن مصدر وجود هذا الكون وهو يجيبك عن مصدر تطور الحياة على سطح الأرض وليس حتى يجيب عن مصدر نشأة الحياة من اللا حياة.

وحتى في نظرية الانفجار العظيم التي يحاول تفسير وجود الكون بها لم يناقش أهم نقطة فيها: (ما قبل الانفجار العظيم) ما الذي انفجر تحديدا ومن أين وُجد ذاك الشيء الذي انفجر ؟

ثم لو دخلت معه في تفاصيل ما قبل الانفجار العظيم ستراه ميتفازيقيا يزعم أن تلك الذرة المنفجرة لا متناهية في الصغر وليس لها مكان ولا زمان وفي نفس الوقت هي كل المكان والزمان ولا يحيط بها مكان ولا قبلها زمان وليست جسما (تحسه يتكلم عن الإله في تصور المعتزلة والجهمية والشيعة والأشاعرة والإباضية).

ولك أن تتخيل (إن لم يكن مكان ولا فراغ يحيط بتلك الذرة فأين المجال الذي توسعت فيه أصلا ؟) وإن قال يوجد مكان محيط بها فمعنى ذلك أن المكان أزلي عنده وكذا الزمان وهذا يهدم الانفجار العظيم نفسه.

ثم إن ذهبت معه لمناقشة الضبط الدقيق لما بعد الانفجار أدخلك في خرافة الأكوان المتوازية حيث يحاول إقناعك بوجود ما لا نهاية من صهيب في العوالم الموازين ومن كل شيء يحاول التحرك في عدة اتجاهات محتملة فإن الكون ينقسم إلى ما لا نهاية من الأكوان في كل كون يتجه ذاك الشيء في اتجاه مختلف عن الآخر (أي أن الملحد يضحك منك ويسخر إن كلمته عن وجود عالم مواز واحد يعيش في الجن بحيث لا تراهم وهم يعيشون معك بالتوازي في نفس المكان لكنه يؤمن بوجود عوالم لا نهائية تعيش فيها أنت شخصيا ولا تشعر إلا بوجود نسختك الحالية وبقية النسخ لا تشعر بوجودك.

فإن عدت للملحد وقلت له: إنك تنطلق من وجود تلك الذرة اللامتناهية في الصغر فما قصتها هل هي حادثة أم أزلية وهل كانت هي كل المكان والزمان وكان لا نهائي المقدار أم كانت بلا مكان ولا زمان (أي إنها صفرية الوجود جسميا وحجميا وانتقلت من اللامحسوس لذاته إلى المحسوس ومن الحجم الصفري إلى الحجم الهائل "وهو ما لا أؤمن بوجوده لا أنا ولا الملحد الذي لا يؤمن حتى بإله الجهمية والأشاعرة) فعندها تجده يقول (لا أعلم، سيجيبنا العلم عن هذا مستقبلا).

فأقول له: عندما يجيبك العلم مستقبلا عد لإقناعي بالإلحاد وإلى ذاك الحين فإني على إيماني.

أوتقبل مني يا ملحد لو أنك سألتني ما الدليل على وجود الله وصحة الإسلام أن أقول لك: لا أعلم ستجيبنا الآخرة مستقبلا ؟ أو ستجيبنا الحياة مستقبلا ؟ أو سيجيبنا العلم مستقبلا ؟

فكذلك قولك (سيجيبنا العلم مستقبلا) يقضي عليك في المناظرة وينهيها ولا يجب أن أستمر فيها معك إن كنت عاقلا فإنك أعلنت انقطاع حجتك وإفلاسك.

فذلك يشبه أن تقول لي: الماء لا يحتاج إلى موجد ولا خالق لأنه مركب من ذرتي هيدروجين وذرة أوزوت فأسألك ومن أين جاء الأوكسجين والأوزوت فتقول (لا أدري سيجيبنا العلم مستقبلا) فكان بإمكانك اختصار الطريق والإجابة بهذا الجواب عندما سألتك (من أين جاء للماء) فما فائدة إحالتي إلى جواب ستنقطع بعده مباشرة ؟

أفترضى أن تسألني بعدما قلت لك (الذي خلق الكون هو الله) فتقول لي (ومن خلق الله) فأقول لك (لا أدري سيجيبنا العلم مستقبلا) ؟ أترضى بهذا الجواب ؟

لكنك تجد عندي بناء متماسكا فأقول إن كل شيء ناقص مسبوق بعدمٍ يحتاج إلى موجد قبله ليس فاقدا لما يعطيه إياه وذاك الموجد إن كان ناقصا مسبوقا بعدم فإنه محتاج لموجد قبله ليس فاقدا لما يعطيه فلا بد من توقف السلسلة وجوبا (لا اختيارا) عند موجد تام غير مسبوق بعدم ولا فاقدا لما يعطيه وهو قطعا ليس تلك الذرة اللامتناهية في الصغر والتي هي فاقدة لما تعطيه من (مكان وزمان وحياة وحركة وعلمٍ وقدرةٍ وحجمٍ وقوة) وفاقد الشيء لا يعطيه لا لنفسه ولا لغيره.

#الخلاصة: الخلقوي أي المؤمن بالخالق يجيبك ويفسر كل شيء يسأله عنه الملحد ولا يبقى بلا جواب حسب تصوره لمصدر الخلق بينما الملحد يحاول الإجابة ثم يصل مرحلة لا يعطيك جوابا ويعلقك بأمل العثور على الجواب في المستقبل رغم أنك لم تطالبه حتى بالإثبات العلمي المختبري بل تطالبه فقط بالجواب النظري الافتراضي وإلا فهل حسبت أن نظرية الانفجار العظيم والتطور ثابتتان مختبريا أصلا ؟ إنما الثابت علميا توسع الكون والله يقول في القرآن ((والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون)) فنحن نفسر توسع الكون بأن الله يوسعه ولكن ما علاقة توسع الكون بأنه بالضرورة جاء من الانفجار العظيم ؟ هنا يفترض الملحد أن هذا التوسع جاء من اتجاه واحد لا غير تماما كما أن تثبت أني جئت من الجزائر إلى مصر فتقول: لا بد أنك جئت من أمريكا وذلك لأنك بعدما تعيدني بعكس الاتجاه من الجزائر إلى مصر ستصل للجزائر ثم المغرب ثم المحيط ثم تصل إلى أمريكا ثم تواصل لف الأرض لتصل إلى الصين فتقول (صهيب جاء من الصين) لأننا أثبتنا أنه جاء من الجزائر لمصر فكذلك هم عكسوا اتجاه التوسع إلى أقصى البداية فذهبوا إلى اللامتناهي في الصغر (متجاهلين كيفية التوسع في اللامكان وكيفة كبر الحجم في اللا حجم) إلى آخره فلو سألتهم فقط نظريا عن تفسير بعض المنطلقات التي إن لم يجيبوا عنها سقط زعمهم من الأساس أحالوا للإيمان بالغيب (سيجيب عنها العلم مستقبلا).

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: الإلحاد والرد على الشبهات

الملحد على الطريقة المدخلية

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما تناقش الملحد العربي تحسّ أنك تناقش ملحدا بعقلية شخص مدخلي "ولكن فقط مع استبدال الأسماء والرموز والأفكار". 1 _ تناقش الملحد فيقول لك: قال العلماء،…

جوابا على اعتراض الملحد المصور أدناه

الإلحاد والرد على الشبهات

قبل الجواب أحب التنويه على أن مثل هذا السؤال الساذج والغبي من هذا الملحد المجهول ما كنت لألتفت إليه أو أعيره اهتماما لو صدر منه وحده ولكن سبق لي سماع هذا…

مداخلة الإلحاد وملاحدة المداخلة حسب خرافة الأكوان المتعددة الإلحادية

الإلحاد والرد على الشبهات

ستيفن هوكينغ عند الملاحدة يمثل دور الفوزان عند المداخلة. وريتشارد دوكينز عند الملاحدة يمثل دور ربيع المدخلي عند المداخلة. ولورانس كراوس عند الملاحدة يمثل…