مغالطات 2
#الحلقة_الثانية: مغالطة الاعتراض على العقل بقولهم (نرجع إلى العقل بفهم من ؟).
#أقول: الجواب على هذه المغالطة كالتالي:
1 _ الكلام عن ضرورة العقل ليس معناه أبدا أننا نقول (الله يقول كذا وعقلنا يقول كذا فنقدم عقلنا على قول الله) إذ لا يقول بذلك إلا من كفر بالإسلام وإنما العقل هو الذي قَبِل من البداية صحة الإسلام، لنفترض أنك ستحاول دعوة شخص هندوسي أو نصراني أو ملحد إلى الإسلام لتعمل بقول الله ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)) ألن يكون الجدال بينك وبينه عقليا ؟ أم أنك سترجعه للنقل عندك ؟ فيقول لك لماذا لا نرجع للنقل عندي إذًا وكيف ستقنعه بأن نقلك أفضل من نقله إلا بالبراهين العقلية، فمن البداية نحتاج العقل للحكم على الدين نفسه بالصحة وبعد ذلك يكون الدين مرجعا لنا فنستعمل العقل عندئذ لنميز ما ثبت منه وما لم يثبت ولنفهم المراد والمقصود من الثابت، ثم نفرق بين ما ثبت يقينا وما ثبت على وجه غلبة الظن، أوليس علم الحديث نفسه علما عقليا بني على قواعد عقلية وأخرى تجريبية؟ كيف نعرف الصحيح من الضعيف ؟ هل ورد في النقل (المتواتر والمستفيض والمشهور والعزيز والغريب والفرد ؟) هل وردت في النقل شروط الحديث الصحيح والحسن والضعيف والمكذوب والفرق بينهم ؟ هل ورد في النصوص الشرعية أن فلانا كذاب وفلان صادق وفلان صدوق يهم وفلان ليس به بأس وفلان ثقة ثبت ؟ كل هذه الأقسام والأحكام منها ما هو عقلي كالقواعد المجردة ومنها ما هو تجريبي لا يقع إلا بمخالطة الرواة ومعرفة أحوالهم ليرجح العالم إن كانوا ثقات أم لا فبعد أن يرتجح عنده ثقة ذلك الراوي لا نسمي ذلك نقلا شرعيا وإنما هو حكمُ العقل والتجربة عليه فمن خالف فيه لم يخالف النص الشرعي وإنما خالف اجتهاد الموثّق ولو تأملنا المسألة جيدا لوجدنا أن ذاك المتهم بالبدعة الذي تُرك حديثه لأجلها هو الآخر يتهم من اتهمه بالبدعة ويترك حديثه فعلى أي أساس قبلنا تهمة هذا ولم نقبل تهمة ذاك ؟ لا شك أن الأمر محتاج لمناقشة الموضوع الذي اختلفا حوله وقد يكون النقاش فيه عقليا مجردا أو يكون نقاشا حول اختلاف الأفهام لمعرفة مراد النص الشرعي فكيف نرجح الفهم الصحيح على الفهم السقيم إلا بالعقل ؟ فلو قيل هنا إلى أي عقل نرجع ؟ عقل المرجح أم عقل المجروح ؟ فما عسى المتحجين بهذه المغالطة يقولون ؟
2 _ لو قلنا لأصحاب هذه المغالطة كثيرا ما يختلف العلماء الثقات الأثبات عندكم حول كثير من المسائل فما سبب الخلاف ؟ أليس إلا الاختلاف في عقولهم ؟ فلماذا قبلتم التنوع في اختلاف العقول هنا ولم تقولوا بفساد الأمر معتمدين على مغالطة (وإلى أي عقل نرجع إلى عقل العالم الفلاني أم إلى عقل العالم العلاني ؟) فنفس الإشكال الذي توردونه حول العقل يلزمكم في النقل إذ لا يمكن فهم النقل إلا بالعقل ومادام الإشكال قائما على العقل فهو منسحب بالضرورة إلى النقل لأن العقل مناط إدراكه وفهمه.
3 _ ظن آخرون أنهم وجدوا حلا لهذه الإشكالية فقالوا: نرتاح من هذا الهم ونقلد مذهبا أو عالما معينا وقال آخرون نرجع لفهم السلف فيعصمنا عن الخطأ والضلال.
أقول: إن السلف والعلماء ليسوا فردا واحدا بل هم ألوف مؤلّفة فهل اتفق هؤلاء جميعا على كل المسائل حتى يمكن الرجوع لفهمهم أم هم أنفسهم اختلفوا فيما بينهم نظرا لاختلاف العقول وهو أصل الإشكالية التي طرحتموها ؟ فإن علمتم أنهم اختلفوا فماذا تصنعون في حال خلافهم ؟ قالوا: لا نخرج عن خلافهم ونختار أحد الأقوال.
قلت: وأي الأقوال يكون صحيحا ؟ إذ لا يمكن أن يكون اختلافهم في الأقوال دالا على صحة القول ونقيضه (أحدهم يقول حرام والآخر يقول مكروه والآخر يقول جائز وقد نجد من يقول بل هو واجب) ولنضرب مثالا عن هذا من واقع عصرنا: المداخلة يعتبرون كلا من الشيخ الألباني رحمه الله وربيع المدخلي علماء ثقات بل هم مراجع يغالون حتى فيمن خالفهم وفي الأخذ من اللحية يقول الألباني بوجوب الأخذ عند القبضة ويقول ربيع المدخلي بتحريم الأخذ من اللحية فلاحظوا أن الاختلاف لم يقتصر على (التجويز والتحريم) بل أحدهما يوجب الأخذ والآخر يحرمه فلا يمكن لا العمل بالأحوط ولا الأسهل إذ كلا القولين عزيمة (الوجوب والتحريم) أحدهما يراك آثما لو أخذت من لحيتك والآخر يراك آثما لو لم تأخذ من لحيتك فإلى أي عقل نرجع ؟ وقد يفرح آخرون فيقولون هذه مشكلة المداخلة وحدهم على منهج (كل حزب بما لديهم فرحون) فأقول: لا تفرحوا، بل هي مشكلة ضد كل من يُحاول إقصاء العقل من المشهد أيا كان بديله عنه وهات لي أي عالمين وسأجد لك خلافا بينهما ولو في مسألة واحدة حتى ولو كان أحدهما تلميذا للآخر، بشرط أن يكون كل منهما مجتهدا ولا يكون أحدهما مقلدا للثاني، بل وكثيرا ما يقع الخلاف حتى بين العالم ومن يقلده أولسنا نجد في المذهب الواحد أقوالا كثيرة مختلفة في المسألة الواحدة ؟ وكثيرا ما يروى عن نفس العالم قولان متضادان قول بالتحريم وقول بالجواز فيقال (وهو روايةٌ عن أحمد، وهو رواية عن مالك) أي مع وجود رواية مناقضة.
والمشكلة الأكبر من كل هذا: من يضمن أن فهمكم لأقوال السلف أو العلماء صحيح ؟ كثيرا ما يختلف الناس حول فهم العالم الواحد فها هو ابن تيمية مثلا يزعم الدواعش أنه إمامهم ويزعم المداخلة بمختلف فرقهم صعافقتهم ومصعفقتهم ومن تفرع عنهم أنه إمامهم ويزعم السلفيون الآخرون أنه إمامهم وحتى الذين درسوا كتبه جيدا وكانوا على مستوى أعلى من بقية السلفيين العاديين فدخلوا الفلسفة ونظرية المعرفة والوجود اختلفوا في رأي ابن تيمية حول مسائل معرفية ووجودية ووقع بينهم الطعن والتناحر اللفظي كل يزعم أنه الأولى بابن تيمية، وكذلك لو ذهبنا للمدارس الأخرى نجد خلافات كبيرة في نسبة الاعتقاد لذاك الشخص بل نجد كل من انتسب إلى الإسلام يجمعون على حب علي بن أبي طالب والرجوع إليه فيفهم عنه الشيعة فهما ويفهم عنه الصوفية فهما آخر ويفهم عنه السلفيون فهما ثم في كل جماعة من هؤلاء توجد فرق ومدارس كثيرة كل يفهم فهما يختلف عن الآخر وكلهم رجعوا إلى نفس العالم من السلف "فضلا على الرجوع إلى السلف جميعا بمختلف آرائهم وأقوالهم".
والشاهد من كل هذا: أن هذا الإلزام ليس سوى مغالطة إذ الملزٍم به ليس أسعد به من الملزَم.
أما وقد فرغت من الجواب النقضي فجوابي الحلي: لقد أعطى الله لكل عقله وقال ((كل نفس بما كسبت رهينة)) لذلك إذا قيل لي (بعقل من تفهم ؟) أقول (أفهم بعقلي أنا) فإن قال معترض: هذا غرور ؟ قلت وأنت بأي عقل تفهم ؟ إن قال أفهم بعقل العالم فلان سألته (وقول العالم فلان بأي عقل ستفهمه ؟) إذ ما من قول قاله غيرك إلا وأنت محتاج لفهمه أولا قبل الأخذ به فبأي عقل تفهمه ؟ لا فرار ولا مناص إلا أن ترجع في نهاية المطاف مهما أطلت في تسلسل العقول إلى عقلك ليكون الحكم النهائي في الفهم سواء كنت مجتهدا أم مقلدا إنما الفرق بين المجتهد والمقلد أن المجتهد يفهم النص الشرعي مباشرة بعقله بينما المقلد يفهم بعقله فهمَ المجتهد للنص، أي أن المجتهد يفهم الجزء الأصعب ليحاول إفهام المقلد بشكل أبسط ولكن في نهاية المطاف لن يفهم المقلد إلا بعقله وهذا هو المطلوب في البحث: لا يمكن الفكاك من العقل وإنما من الناس من يحاول تأجيل رتبته في السلسلة ظنا منهم أن الانفكاك من العقل ممكن، وفي الحقيقة هم أجلوه في السلسلة لا غير.
كتبه #صهيب_بوزيدي
