مذهبي الإبستمولوجي في الأسبقية بين المعرفة والحس

يرى المثاليون أن المعارف قبل الحس

ويرى الماديون أن الحس قبل المعارف.

وأرى أن المعرفة والحس معيّان اقترانيان ليس أحدهما بسابق للآخر:

1 _ فإن تكلمنا عن المعرفة في جنس الوجود فالله أقدم الموجودات ووجوده أزلي كما أنه متصف بالعلم الأزلي والسمع والبصر الأزليان فلا علمه سابق سمعه وبصره ولا بصره وسمعه سابقان لعلمه بل هما أزليان معيان اقترانيان.

2 _ أما في الجنس البشري فلا معرفة قائمة بذاتها بل المعرفة صفة لا تقوم إلا بالموصوف الذي هو الإنسان "في حالتنا هذه" ولا وجود للإنسان من غير أن يكون محسوسا أولا ويكون مُحسًّا ثانيا، فإن كان كذلك فيستحيل أن تسبق معرفته حواسه وهو محس منذ بداية وجوده كما أن حسّه لن يقدر على إدراك أي شيء من غير العقلِ المُدرِك وما كان لذلك العقل المدرك أن يقدر على الإدراك لو لم يكن متقنا لآلية الإدراك وهذه في حد ذاتها معرفة، ولنسمها بمعرفة طريقة الإدراك على الأقل، سواء سلك الإنسان ذلك بوعي شعوري أم بوعي غير شعوري فإن المعرفة مكنونة في ميكانيزم "آلية" العقلنة فيه، لذلك لا الحس سابق المعرفة عنده ولا المعرفة سابقة للحس وإنما هما معيان اقترانيان في مطلق وجودهما لا في وجودهما المطلق "وبين العبارتين فرق معلوم لذوي الاختصاص".

وبهذا الكلام أدرك أني مخالفٌ لكل من النظامين الفلسفيين "الميتافيزيقي المثالي الذي يقول بسبق المعارف للحس أو ما يعرف بالماقبلية أو ما بعدية المعارف" وللنظام "المادي الذي يقول بأسبقية الحس للمعارف أو ما يعرف بالمابدعية، أو ما بعدية المعارف".

ويرجع في الأصل تقرير المدرسة المثالية لما قبلية المعارف إلى جعلهم عالم المجردات موجودا مستقلا خارج الذهن يحكمون عليه بالأزلية ومن بعده جاءت المحسوسات بينما يرى الماديون أن المادة غير المدركة هي الوجود الأول وبعدها ورد عليها الإدراك بالاكتساب الحسي ولكل نظام تيارات تفصّل الأقوال وفق نظرياتها الآنطولوجية وفي كل تيار مذاهب آنطولوجية وإبستمولوجية تختلف في بعض التفاصيل وتشترك في الكلية الجامعة لأصل النظام المعرفي أو لنقل النظام الفلسفي المتكامل والذي ينسق بين الأطروحات الآنطولوجية والأطروحات الإبستمولوجية بنظام منطقي متفرع عنهما في إنشاء قواعده وقوانينه الكلية.

#ملاحظة: هذا ما اهتدى إليه عقلي في هذا الموضوع الإبستمولوجي ولا أعلم من سبقني لهذا القول "وعدم العلم بالشيء لا يعني العلم بعدمه قطعا" ولكني لا أعلم من قال بهذا قبلي، كما أعلم جيدا الحجج الجدالية والصراعية بين النظامين في هذه المسألة والرغبة في الاختصار جعلتني أقفز إلى المطلوب وهو تقرير النظام الذي أتبناه مباشرة بنظرة استدلالية عامة ومبسطة، ولكن عند الحوار يتم تناول أطروحات أعمق كما يتم تناول وجهة كل نظرٍ مخالفة بالنقد المتسلسل بالبراهين المنطقية.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

بين الفلسفة والتفلسيف

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

الفلسفة نوعان: الفلسفة الحقيقية: وهي البحث في الموجودات والمعارف والأخلاقيات والعقليات بحثا متجردا ينطلق من طرح الأسئلة بحثا عن أجوبتها القطعية أو الظنية…

اقتباسات حوارية في مسائل وجودية

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

قبل أيام في تيكتوك دخلتُ بثوثا وإذا بعدد من المحاورين المخالفين حاوروني وتداخلت أدوارهم فأحببت تجريد بعض أسئلتهم وردودي عليها سريعا والترتيب ليس بترتيب…