قواعد مهمة في الترجيح الإبستمولوجي بين تعارض العقل والحس والنقل

مصادر المعرفة من الجهة الإبستمولوجية ثلاثة ((العقل والحسّ والخبر))، فمن من هذه المصادر يُقدّمُ على الآخر ؟

قلت صهيب: من جهة الإجمال فإن العقل أولُ مصدرٍ للمعرفة وهو الأهم ثم يليه الحسّ ثم يليه الخبر، ولكن يوجد تفصيل وجب بيانه:

1 _ إنٍ تعارَض القطعي مع الظني من أيِّ المصادر السابقة قُدّم القطعي على الظني: (فالعقل القطعي مقدم على الظني من العقل والحس والنقل، والحس القطعي مقدم على الظني من العقل والحس والنقل، والنقل القطعي مقدم على الظني من العقل والحس والنقل)

2 _ إنَّ تعارُضَ القطعي مع القطعي غير ممكن (لذلك يستحيل أن يعارض القطعي أي قطعي آخر سواء كان من نفس المصدر المعرفي أم من المصادر المعرفية الأخرى فالعقل القطعي لا يعارض عقلا قطعيا آخر ولا يعارض حسا ولا نقلا قطعيا وكذلك الحس القطعي لا يعارض القطعي من الحس والعقل والنقل ومثله النقل القطعي لا يعارض عقلا ولا حسا ولا نقلا مما كان مقطوعا به)

3 _ أما تعارض الظني مع الظني فيُقدّم الأرجح احتمالا على المرجوح فإن تعارض الظني الذي مقداره مثلا 90% مع الظني الذي مقداره 70% قُدّم الظني الأول على الثاني مهما كان مصدره المعرفي فالظنّي الأرجح سواء كان عقليا أم حسيا أم نقليا مقدم على الظني المرجوح سواء كان عقليا أم حسيا أم نقليا.

4 _ أما ظنّية العقل مردها إلى الحكم على المسألة بالإمكان ومعلومٌ أن الممكن فيه ما يترجح تحققه وفيه ما لا يترجح تحققه وفيه ما يستوي احتمال تحققه مع احتمال عدم تحققه، أما القطعي من العقل فما كان واجبَ التحقق مستحيل العدم أو واجب العدم مستحيل التحقق، أما من حيث طرق الاستدلال فإن الاستدلال بالاستقراء الناقص استدلال عقلي ظني كلما زادت نسبة الاستقراء فيه مع موافقتها للنتيجة المطلوبة كلما كانت قوة رجحانه أعلى، وأما الاستقراء التام فهو دليل عقلي حسي أو عقلي نقلي بحسب الموضوع المدروس ويفيد القطع بالنسبة للمستقرئ، أما البرهان بكل من النقيض وعكس النقيض والعكس المستوي فيفيد القطع إن كان البرهان صحيحا، وأما البرهان بالقياسِ فإن كان القياس على نفس الكلّية المقيس عليها وكانت هذه الكلية مما قُطعَ بتواطؤ القضيتين عليها كان القياس قطعيا أما إن وقع خللٌ في ضبط هذا القياس فإنه يكون ظنيا إذ يجب ضبط العلّة المقيس عليها فكثيرا ما يُقاس على شيء متواطئ عليه إلا أنه ليس العلّة التي أنيط بها موضوع القياس، أما التمثيل فإن قُطع بتماثل القضيتين قُطع بصحة الدليل، أما إن كانت الظنية في تماثلهما فإن القياس يكون ظنيا.

5 _ أما ظنّية الحسّ فتكون في المحسوسات التي لا تُدركُ بدقّة كأن يُرى الرقم من بعيدٍ فلا يتيقن الرائي مما يراه أرأى 0 أم 3 أم 8 مثلا ؟ وكذلك في الحروف وسائر الأشياء ومثلها في الشمّ قد يشم الرائحة ولا يستطيع تحديد ماهيتها بدقة فيظنها رائحة شيء وتكون رائحة شيء آخر ومثله المذاق قد يتذوق الطعام فيقول (أليس فيه قدّيد ؟) ويكون في الطعام (لحم الرأس "بوزلوف") بدل القديد فهذه من الإدراكات الحسية الظنية، فإن تعارضت مع النقل الصادق القطعي كأن يشهد عشرون طباخا بأنّ ما أكله هو لحم الرأس لا القديد ويكون هؤلاء جميعا من الثقات الذين لا يتواطؤون على الكذب، فعندها يقدّم النقل القطعي على حسّه الظني، بينما لو تعارض الحس القطعي مع النقل الظني كأن يرى بعينه الطباخ وهو يستعمل القديد لا دماغ الخروف ثم جاءه طباخ واحد يقول له بل هو دماغ خروف، عندها يصدق عيناه ويكذب الطباخ، فيقدم الحس القطعي على النقل الظني.

6 _ أما ظنّية النقل فهي نقيض القطعية فيه، والنقل القطعي هو ما قاله العاصم "الله" أو المعصوم (الملائكة والأنبياء) أو التواتر الذي يكون عبارة عن نقل الجماعة التي يستحيل أن تتواطأ على الكذب إما لأنها جماعة كبيرة من الصادقين فيستحيل تواطؤهم على السهو ويستحيل الخطأ في الحكم على عشرين شخصا بالصدق ويكونون جميعا من الكذابين، وإما أنه نقلُ أفرادٍ لنفس الكلام بحيث لا يعرف أي منهما الآخر فيستحيل أن يتفقوا على كذبة واحدة، وإما لنقلِ الأطراف خبرا يكون ضدهم دون أي ضغط أو تهديدٍ فليس من مصلحتهم الكذب في شيء من القطعي أن يضرهم كأن تكون في شهادتهم ما يوجب عليهم الحد، كالذي يعترف أمام القاضي الشرعي بارتكابه ما يوجب حد السرقة أو الزنا أو نحوه.

ويجب الانتباه على إن كلمة (النقل) غير محصورة فقط في الكتاب والسنة وإنما كل ما نُقل خبرا فكثير من العلوم التجريبية التي تصنف في الأصل من العلوم الحسية يتناولها الناس عن طريق النقل إذ معظمهم لم يمارسوا تلك التجارب بأنفسهم ليتأكدوا من صحتها، ثم إن صدق التجربة لا يُعمم بالضرورة على سائر التجارب إلا باقتحام مصدر معرفي آخر وهو (العقل) إذ هو المسؤول عن الاستدلال بالاستقراء والقياس والتمثيل ونحوه.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

بين الفلسفة والتفلسيف

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

الفلسفة نوعان: الفلسفة الحقيقية: وهي البحث في الموجودات والمعارف والأخلاقيات والعقليات بحثا متجردا ينطلق من طرح الأسئلة بحثا عن أجوبتها القطعية أو الظنية…

اقتباسات حوارية في مسائل وجودية

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

قبل أيام في تيكتوك دخلتُ بثوثا وإذا بعدد من المحاورين المخالفين حاوروني وتداخلت أدوارهم فأحببت تجريد بعض أسئلتهم وردودي عليها سريعا والترتيب ليس بترتيب…