قصة الثعلب والعنب والشيخ والمنطق
#النظام_الفلسفي_الإسلامي_بين_الحقيقي_والمغلَّف.
#دور_ابن_تيمية_في_الفلسفة_والنكسة_من_بعده
#الحلول_المقترحة_لتطوير_الإرث_الفلسفي_الإسلامي
#ملاحظة: هذا المقال لو فُهم بشكل صحيح فإنه لن يضيف معلومات جديدة فحسب بل قد يغير منهجية الطالب بأسرها ونظرته للعلوم والفائدة منها؛ وحتى من كانت هذه المعلومات غير جديدة عليه فإنها تعززه وتقلل من وحشة غربته في زمن ساءت فيه المفاهيم وانتكس فيه الناس عن العلم الحقيقي واتبعوا السراب والأوهام ومادام لكل منهم جمهور يوافقه فلن ينتبه لمسار سفينته إلا أن يشاء الله ويهديه.
ومقالي موجه للموافقين في عموم الاتجاه قبل المخالفين؛ وهو مقال إصلاحي داخلي قبل أن يتجه إصلاحه للخارج وقد يستفيد منه من في الخارج لتصحيح أساليبه ولا يستفيد منه بعض من في الداخل فهذه سنة العلوم قد تنفع الخصوم ويزهد فيها "الموافقون شكليا".
#قصة_الشيخ_والمنطق:
أعرفُ شيخا مشهورا "لن أذكر اسمه" طلب مني أن أعلمه المنطق والفلسفة وطريقة استعمالها لنصرة الدين خاصة في العقيدة.
حاولَ تعلّمها لكنه استصعبها وظن أنه بالمثابرة على تعلمها سيحتاج وقتا طويلا ولعله لم يتحمل وهو بوزنه وشهرته أن يصبح في مقام تلميذ شخص غير معروف مثلي "حتى ولو كان ذلك بيني وبينه غير معلن عنه" بل إن من عرفوه وعرفوني كانوا يظنونني تلميذا عنده وليس العكس ولم أكن أهتم بهذه التفاهات وكان هدفي أن ينتشر الحق وكفى.
#فقال_لي: وما فائدة المنطق والفلسفة ؟ الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشر دعوته دون منطق ولا فلسفة وأساسا السلف حذروا من هذه العلوم لما فيها من الضلال.
#فقلت_له: أنت من طلب مني تعليمه فظننتك عرفت الفائدة من تعلمهما قبل أن تطلب مني ذلك.
#بعدها_بفترة: ولأسباب مختلفة تقرب بي هذا الشخص إلى المداخلة وهو الذي كان يصرح لي قائلا "أنا ضد المداخلة لكني أداريهم خوفا على عرضي من ألسنتهم" ولكني لم أكن أتوقع أن تصل به المداهنة إلى أن يبيع الشخص الذي كان يقول فيه "ألتفت يمينا فلا أجد إلا صهيب وألتفت يسارا فلا أجد إلا صهيب".
عندما درستُ التاريخ لاحظتُ وجود قاسم مشترك بين الطغاة وهو أنهم لا يحبون الأقوياء ولو كانوا في صفهم فتجدهم يكيدون للقوي ويرهقونه حتى يقلبوه عليهم عدوا أو يقتلوه أو ينسحب من حياتهم بالكلية وهذا حال الطغاة من المنتسبين للمشيخة.
بعد ذلك انتهى الأمر بطعنه في شخصي دفاعا عن المداخلة "الذين يرونه مبتدعا أصلا" ثم وصفني بالخبيث فحظرته وكتمت عددا كبيرا من فضائحه وإلى الآن لم أذكر اسمه لأن مصلحة الدعوة تقتضي ذلك فهو مع لؤمه وجحوده وجبنه يقف على ثغر من الثغور ونفع الله به خلقا كثيرا.
لكن الشاهد هنا موقفه مع المنطق ومقارنته بقصة الثعلب والعنب.
#قصة_الثعلب_والعنب: ذكرني هذا التصرف بنكتة الثعلب الذي حاول تسلق الشجرة لأكل العنب فكلما صعد سقط فلما يئس من ذلك قال "تبا لك أيها العنب؛ أساسا لا رغبة لي بك فأنت حامض".
#أوجه_الشبه_بين_القصتين:
1 - كلاهما أراد الشيء بادئ الأمر فلما لم يبلغه ذمه.
2 - كلاهما وصف ما لم يعرفه بصفات الذم "فهو لم يعرف المنطق ولم يتمكن منه ومع ذلك ذمه" و"الثعلب لم يذق طعم العنب ومع ذلك وصفه بالحامض".
#الفرق_بين_الفلسفة_المذمومة_والإيجابية: يجب التفريق بين جنس الفلسفة وبعض أنواعها وبين جنس المنطق وبعض أنواعه.
فمن يذم الفلسفة لمجرد سيطرة الفلاسفة اليونانيين عليها وانتهائهم إلى نتائج باطلة كمثل من يذم الطب والبيولوجيا لمجرد سيطرة التطوريين على هذا المجال.
ومثله من يذم الفيزياء لمجرد وجود فيزيائيين ملحدين ولا دينيين.
ومثله من يذم علم النفس لمجرد مصادمة كثير من الأطباء النفسانيين للحقائق الروحانية.
ومثله من يذم علم الفلك لمجرد وجود منجمين يتمسحون بعلم الفلك وهو منهم براء فوجب التفريق بين الاسترونومي والاسترولوجي.
فعندما أسس أصحاب النظام الوحدوي الفيزيائي نظامهم الفلسفي ومن أبرز فلاسفتهم ديموقراطس جاء من بعدهم سقراط وبدل أن يذم جنس الفلسفة قام وأسس نظاما ثنائيا ميتافيزيقيا "ويسمى بالنظام المدني" وخرجت من هذا النظام تيارات ومذاهب كثيرة ومن هذه المذاهب ما تطور إلى تيار ثم إلى نظام فلسفي بأسره (الرواقية) وحتى الفلسفة والعلوم المعاصرة مستمدة من الأنظمة والتيارات السابقة فالتجربانية تجسيد للنظام الفيزيائي والغنوصية الباطنية العالمية تجسيد للنظام الرواقي وعقيدة التجريد ما هي إلا تجسيد للنظام الميتافيزيقي.
والمنطق الأرسطي فرع عن النظام الميتافيزيقي الذي أسسه سقراط والمنطق التجريبي هو سد للفراغات الموجودة في النظام الفيزيائي الذي لم يكن فيه فسحة للمنطق أساسا.
#الفلسفة_الإسلامية_المزيفة
أُسّس علم الكلام أول مرة على أساس أن يكون فلسفة إسلامية تناهض الفلسفات الشركية والكفرية ولكن مع الأسف لم يعتمد المتكلمون على بناء نظام فلسفي جديد إسلامي وإنما غلفوا الفلسفة المدنية "الميتافيزيقية" بعباءة الإسلام فأصلوا لقواعدهم من خلالها فلما عادوا بأذهانهم للنصوص الشرعية وجدوها مصادمة لما قعّدوا له وأسسوه فبدل أن يعتبروا ظاهر المنقول مخالفا لعقل الفلاسفة الميتافيزيقيين اليونانيين اعتبروه مخالفا للعقل المجرد فصاروا يحاكمون ما نُقل عن الله إلى ما نُقل عن سقراط ومن معه وسموا ما نُقل عن الله نقلا وسموا ما نقل عن سقراط عقلا فتوهموا أن النقل صادم العقل بينما واقع الأمر أن المنقول عن العليم التام "الله" صادم المنقول عن المخلوق صاحب العلم الناقص "سقراط ومن معه" فهي مصادمة بين المنقول والمنقول لا بين المنقول والمعقول.
فاضطر المتكلمون الأوائل الخاضعون للرواقية والأسكندرانية "الأفلاطونية المحدثة" إلى القول بأن القرآن له ظاهر وباطن وأن الله إنما كذب على عوام المسلمين بظاهر القرآن لكي لا يفتنهم في عقولهم وأجازوا على الله الكذب وسموه كذب المصلحة واختلفوا فيما بينهم في حال النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من قال إن الله كذب على نبيه أيضا ومنهم من قال إن الله أخبر نبيه بباطن القرآن والنبي تواطأ مع الله على الكذب ومنهم من قال إن الله كذب على نبيه ولكن لأن النبي كان فيلسوفا فإنه بحث عن الحق وتوصل إليه بالفلسفة لا بالنبوة ولذلك جعلوا الفلسفة أعلى من النبوة درجة واختلفوا في فضل الفيلسوف على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم إن الفيلسوف أفضل وقال بعضهم إن النبي تساوى مع الفيلسوف من حيث هو فيلسوف وزاد عليه بالنبوة "وهذا يذكرنا بقول الإثنا عشرية إن النبي تساوى مع الأئمة في الإمامة وزاد عليهم بالنبوة" ومن أشهر فلاسفة الباطنية الذين سموا أنفسهم بالمتكلمين الفارابي وابن سينا ومحي الدين ابن عربي ومن أشهر المذاهب المنتسبة لهذه العقيدة: الإسماعيلية والدروز وصوفية ابن عربي وابن سبعين وغيرهم واشترك في العقيدة الباطنية فلاسفة الإثنا عشرية.
وتوجد طائفة أخرى من المتكلمين أقلّ ضلالا من هؤلاء لم يلجؤوا للقول بالظاهر والباطن وإنما لجؤوا لإلغاء معاني الألفاظ الواردة في الصفات وانكار كل معانيها التي تتحملها اللغة وهم في ذلك معتمدون على عقيدة التجريد وهي تجسيد للنظام الميتافيزيقي وأشهر أنواع هؤلاء هم الجهمية والمعتزلة (المعتزلة اليوم دخلوا تحت عباءة الشيعة الإثنا عشرية والزيدية والإباضية) وظهرت طائفة من المتكلمين اصطدمت بهؤلاء فأنكرت عليهم بعض أقوالهم ولكنها بقيت موافقة لهم في أصل النظام الفلسفي الميتافيزيقي.
#الفلسفة_الإسلامية_الحقيقية
لم يكن ممكنا إقامة فلسفة إسلامية صحيحة إلا إن كانت معتمدة على نظام إسلامي مستقل ولذلك يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أهمّ من أسس للفلسفة الإسلامية الصحيحة إذ لم يعتمد على الأنظمة السابقة وإنما أسس نظاميا معرفيا مبنيا على ما يلي:
جعل العقل هو المركز المعرفي وربط به الحس والنقل فلا محسوس يدرك بغير عقل ولا منقول يدرك بغير عقل وبنى المعلومات المركبة على القواعد المسلّمة "البديهيات الفطرية" ولم يبنها على ما اعتبرته الأنظمة من المسلمات.
فإن كان النظام التجريدي يمنع أن يكون التام متعينا ويجعل ذلك من المسلمات فإن ابن تيمية يناقش في تركيب هذه المعلومة فيثبت أن الموجود لا يكون إلا متعينا.
ويجعل ابن تيمية الأصل عنده الكتاب والسنة فإن وجد في العلوم الأخرى ما يخالف الكتاب والسنة بحث عن نقطة الافتراق والمغالطة الموجودة فيها لينقضها عقلا وفي كثير من الأحيان يستمد ابن تيمية أدلته العقلية من الكتاب والسنة إذ يعتقد أن القرآن لم ينزل ضعيفا لنحميه بل نزل هو ليحمينا من الضلال ويهدينا ولذلك فلا بد أن تكون في القرآن نفسه إجابات عقلية عن أصل الإشكالات العقلية الواردة عليه وتبقى فروع الإشكالات محل بحث عند المسلمين يستدلون عليها بعقولهم نصرة للكتاب والسنة ويرى ابن تيمية أن العقل المجرد لا يمكنه الاصطدام مع النقل القطعي "ثبوتا ودلالة" وإنما إذا اصطدم العقل مع القطعي النقلي فإن ما يعتبره العاقل عقلا هو إنما عبارة عن قناعته وفهمه وذلك ليس بالدليل العقلي القطعي وإنما ما ظنه المتكلم دليلا عقليا.
وبهذا أسس ابن تيمية أركان علم الكلام الصحيح "أو الفلسفة الإسلامية" وكان تأسيسه هذا عبارة عن تأسيس لنظام فلسفي وليس مجرد تأسيس لتيار أو مذهب ولم يمنع ذلك من استفادة ابن تيمية من معطيات الأنظمة الأخرى التي وجدها صحيحة وفق قواعد النظام الإسلامي فأخذ ما صفا وأبطل ما كدَر.
#مرحلة_ما_بعد_فلسفة_ابن_تيمية:
من غير العدل أو الانصاف أن نقارن بين أنظمة فلسفية استمر بناؤها منذ 2500 سنة ومازال أهلها ينفقون ملايير الدولارات في الأبحاث والتجارب العلمية لتطويرها وبين نظام فلسفي أسسه رجل واحد "ابن تيمية" ولم يتابعه على هذا العمل إلا ثلة من تلاميذه ثم انقطع هذا الخير وعاد من يفترض بهم مواصلة بناء هذا الإرث العلمي لينتكسوا مجددا ويعودوا لمرحلة (تحريم الفلسفة وتحريم المنطق) وبذلك بقي تراث ابن تيمية الفلسفي كالأحفورات التي لم يُنفض عنها الغبار إلا في عصرنا هذا وعدد المشتغلين بفلسفة ابن تيمية عدد قليل جدا ومعظمهم شباب ليس لهم ذلك الوزن أو الشهرة في العالم الإسلامي وأما الرموز الذين يحسب ابن تيمية عليهم فمازالوا يدندنون حول التحذير من الفلسفة وعلم الكلام وتزهيد الناس في العلوم التجريبية.
والمصيبة أن المشتغلين بفلسفة ابن تيمية أيضا يمكن تقسيمهم لعدة أقسام:
قسمٌ مازال رهين فلسفة ابن تيمية لم يتم بعد فلسفته ليزيد أو يبني فوقها فهو كالذي تعطيه بيتا قديما ليبنيه فتجده مازال غارقا في تصميم ذلك البيت لم يفهمه ليزيد عليه وغاية مناه أن يفهم كيفية بناء القديم "وهذا الصنف إن استمر على هذه الحال فغاية ما يمكنه فعله هو إعادة نفض الغبار عن فلسفة ابن تيمية ولن يزيد عليها حجرا واحدا.
القسم الثاني: أراد الاضافة لابن تيمية فلجأ لمراجعة فلسفة أشخاص هم أضعف من ابن تيمية بكثير فذهب يهيم في فلسفة الغربيين متناسيا أن نقاط القوة التي يمكن حصدها من الغرب اليوم هي في علومهم التجريبية لا فيما يسمونه فلسفة؛ لأن تغليب جانب المحسوسات على المعقولات فضلا عن إقصاء المعقولات يضعف الجانب العقلي ويقوي الجانب التجريبي واللبيب من يستفيد من هذا النوع في نقاط قوتهم لا في نقاط ضعفهم.
مثال توضيحي: الشخص أ قوي في العربية ضعيف في الرياضيات؛ والشخص ب ضعيف في العربية قوي في الرياضيات.
من البديهي أن من يريد الاستفادة من الرجلين عليه أن يستفيد من أ في العربية ومن ب في الرياضيات.
ولا تكفي قوة أ في العربية أن يصبح مصدرا في كل المجالات ولا قوة ب في اللغة أن يصبح مرجعا في كل المجالات فالأخذ عن أ في الرياضيات و ب في العربية لن يفيد الآخذ بل يجعله يرجع إلى الوراء.
وهذه هي مصيبة العصر؛ فبما أن الغرب متفوق في التكنلوجيا والعلوم التجريبية صار البعض يظن أن القوة في الأخذ عن الغرب في أي علمٍ كان فذهبوا لأضعف مجالات الغرب ليأخذوا منها بينما نجد الجامعات الغربية مثل أوكسفورد تأخذ من شيخ الإسلام ابن تيمية وتكتب كتابا كاملا ليستفيد منه علماؤهم في نقض المنطق الإغريقي.
والقسم الآخر من المنشغلين بالفلسفة الإسلامية التيمية أخذوا من الغرب نقاط قوتهم واستفادوا منها لكنهم لم يتموا القديم الذي جاء به ابن تيمية وهذا النوع أنفع لنظام ابن تيمية إذ يستفيد منهم من حقق فلسفة ابن تيمية فيضيف معلوماتهم إلى معلوماته فيكمل بها ما عنده ليربط بينها وبين القديم.
وتوجد معلومات قديمة قالها ابن تيمية وجب تصحيحها بما استجد من علوم عصرية وتوجد أنواع علوم كاملة في الفلسفة لم يتطرق ابن تيمية إليها أصلا إذ لم تكن موجودة في عصره أو أنها لم تكن متاحة عنده أو لم يكن لها علاقة بالدين وابن تيمية بنى نظامهم الفلسفي وفق ما يحتاجه في قسم الإلهيات فقط ولم يتفرع في كل الفلسفة فالعمر لا يكفي لذلك.
#الواجب_فعله:
من يريد تجديد فلسفة ابن تيمية اليوم وجب عليه اتمام فلسفة ابن تيمية والاستفادة من علوم الغرب في نقاط قوتهم متبعا نفس المنهج بأن يجعل الكتاب والسنة منارته في البحث "حتى في العلوم التجريبية الأخرى" اضافة للإحاطة بالفكر والسياسة والجانب الاستراتيجي فقد كان ابن تيمية ناشطا نهضويا ومجاهدا في سبيل الله ولم يكن مجرد فيلسوف خامل بعيد عن أرض الواقع كما هو حال بعض المنتسبين لفلسفته اليوم إذ تجدهم غرقوا في بئر الفلسفة دون أن ينهضوا لمشاهدة ما يجري في الواقع وبذلك لم تكن فائدتهم إلا لأنفسهم ولن يستطيعوا تطبيق ما توصلوا إليه على أرض الواقع بل قد تستغلهم الأنظمة فتحول سهامهم إلى الجهات التي تشكل خطرا على الأعداء فيحاربونها بهؤلاء فصاروا يتخاصمون فيما بينهم ويبحثون عن زلات من هم في صفهم ويتكبرون عليهم ويحتقرونهم ويهاجمون كل من وجدوا عنده قولا مخالفا لهم ولو كان مسجونا "وما يتعرض له من الظلم يكفيه" فتجد أحدهم سحب حسامه يدافع به عن السعودية والآخر سحب حسامه يهاجم به مساجين السعودية من علماء ومفكرين ولم يتربوا على فقه الخلاف فصاروا يجهلون حجم المسائل الخلافية وكيفية التعامل معها ولو علموا كيفية تحرير الصواب من الخطأ فيها.
فالواجب على هؤلاء أن يتقوا الله ويعلموا أن الهدف الأول والأخير هو إعلاء كلمة الله وذلك لا يكون إلا بالتكامل لا التناحر.
من يجهل السياسة عليه أن يستفيد من السياسي الذي يثق به ومن يجهل الفلسفة ويتقن مسائل السياسة فليفد صاحبه فيما يتقنه ويتعلم منه ما لا يتقنه.
والأفضل من كل ذلك أن يحاول الإنسان على قدر استطاعته دراسة أكبر عدد ممكن من المجالات حتى لا تكون له نقطة ضعف يؤتى من خلالها بضربة قاضية
فذاك الذي قال "أليست الصين تأتي" وصار أضحوكة أمام العالم لم يسأل أحد عن معلوماته في جانب اللغة أو الفقه أو الحديث وإنما سقط من جهة علم الفلك لأنه أقحم نفسه في غير اختصاصه فلو كان له بعض الاطلاع في الفيزياء والفلك لما قال بمثل ذلك الكلام أو كان عليه أن يستشير من له علم بهذا المجال على الأقل.
عن نفسي: لو أردتُ الاستفادة من شخص في علمٍ ما فإني أصبح طالبا عنده في ذلك العلم ولو فقته علما في سبعين علم آخر وألازمه حتى أصبح قادرا على البحث وحدي في ذلك العلم وأستمر باطلاق وصف شيخي أو أستاذي عليه ما بقيت حيا.
فالنقطة الأساسية (يجب على المسلمين اليوم أن يكملوا فراغات بعضهم البعض لا أن يتربصوا بها ليبرز كل منهم عضلاتهم ويحاول اسقاط الآخر "هذا بفرض التسليم جدلا بقدرته على اسقاطه فقد يكون الجهل عند المعترِض لا عند المعترَض عليه)
ووجب كذلك الاستفادة من الصواب الموجود عند المخالفين سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل البدع ويستفاد من كل شخص في مجال قوته لا في مجال ضعفه.
#الخلاصة: فليترك طلبة العلم هذا الكسل والبحث عن الطرق السهلة والمختصرة للصعود وليسلكوا ما يخدم الإسلام ولو كان الطريق طويلا وشاقا وليفيدوا بما علموه فإن العلوم إذا لم تُعلّم ولم يُعمل بها فإنها لا تنفع صاحبها بشيء في قبره ولا عند يوم الحساب بل قد تكون حجة عليه لا له.
قال ابن شهاب الزهري "أرأيت الرجل يتناول اللقمة ثم يلقيها وراء ظهره أتراه يشبع؟ قالوا لا؛ قال كذلك طالب العلم الذي يتعلم ولا يعمل بعلمه".
وكفى بحديث النبي صلى الله عليه وسلم واعظا إذ قال ((من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم)). رواه ابن ماجه، وغيره، وصححه الألباني.
وهذا الحديث من أكثر الأحاديث رعبا لمن تدبره فإن الإنسان يطلب العلم يريد به وجه الله ثم يأتيه الشيطان فيوسوس له ليصرف نيته لغير ذلك فوجب على الإنسان مجاهدة نفسه فإن لم يستطع تقويم نيته فلا أقل من أن يحسن عمله فلا يتقصد العلماء أو طلبة العلم الذين هم في صفه ليحاول اسقاطهم والبحث عن عثرات لهم ثم ينشرها بين الناس وإنما لا يسلطن حسامه إلا على من سلّط حسامه ضد الدين "سواء أراد ضربه من الداخل أم الخارج".
ومن علامات سوء النية كتمان الحق خوفا من سخط الوسط العلمي أو حتى العامي ومتابعة القطيع ولو في الضلال.
ومن علامات حسن النية الصدع بالحق ولو كانت عواقبه وخيمة "مع مراعاة الحكمة في ذلك والترجيح بين المفاسد الصغرى والكبرى" وكذلك إحسان الظن في أهل الخير وعدم احتكار الدعوة فأهل الحق ينصح بعضهم بعضا وينصح بعضهم ببعض وأهل المراء لا يريدون غيرهم في الساحة.
صاحب الحق إن كان يعرف المعلومة أ ووجد من يعرف المعلومة ب دون يعرف أ فإنه يتعلم منه المعلومة ب ليصبح متقنا ل أ و ب معا ولا يبخل عليه بمعلومته إن الشخص الآخر رغب بها فيصبح لكل منهما (أ + ب) بدلا من (أ أو ب).
#ملاحظة: مقالي لا يعني عدم وجود مؤهلين لهذا المشروع فهم موجودون ولكن هناك جهات وجماعات مغرضة تتعمد اقصاء هؤلاء والطعن فيهم لكي لا يظهر خيرهم للناس فينبغي على أهل الحق أن يتعاونوا ويتكاتفوا إن لم يكن من أجل بعضهم بعضا فمن أجل الدين.
كتبه #صهيب_بوزيدي

