عندما يجتهد المدخلي في استخراج إلزام جديد يأتي بالفضائح
ظن هذا المدخلي أنه اكتشف إلزاما عظيما لم يسبقه إليه أحد، وظن نفسه عبقريا، لعله تأثر بمشاهدة المحقق كونان، فجاء بهذه المسخرة المضحكة وظن نفسه قد أتى بفلسفة عميقة كفلسفة صاحب مقولة "أليست الصين تأتي؟" فقال (إذا كان القرآن كلام الله غير مخلوق فكيف يكون له ظل فضلا عن الظلال؟).
#قلت_صهيب: وبالرغم من أن هذا الطرح لا يستحق الرد الجدي إلا أننا في عصرٍ لو ظهر فيه من يعبد الدجاج لوجد أتباعا فصرنا ننزل مضطرين في المستوى لمناقشة هذه السخافات حتى لا يغتر بها الناس، ومنه أقول:
1 _ لا يفهم هذا المدخلي الفرق بين التعابير المعنوية والتعابير الحقيقية، فليس في عقله لا استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا تشبيه، فلو سمع المثل القائل (قلبي على ولدي انفطر وقلب ولدي علي حجر) لقال له وكيف تستطيع الكلام بعد أن انفطر قلبك ألا يفترض أن تموت ؟ وكيف لولدك قلب حجري وقلوب الناس عضلات حية ؟ أهو حي وقلبه جماد ؟ ولو قرأ المدخلي كتاب (الصواعق المرسلة) لابن القيم لظن معنى العنوان أن ابن القيم مثل آلهة اليونان (زيوس) أو من شابهه يحمل في يده صاعقة ويرسلها من السماء على المخالفين فتصعقهم ليموتوا حقيقة.
2 _ قال المدخلي (وكيف للقرآن ظل وهو كلام الله غير مخلوق) أقول: بل ثبت في النصوص إضافة الظل إلى الله نفسه فقد ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...)) وبغض النظر عن معنى الظل في الحديث فقد ثبت اللفظ فإن كان اعتراض المدخلي على اللفظ دون الاهتمام بمعناه فليعترض على هذا الحديث وإن كان المدخلي يحاول التفصيل في المعنى فلماذا لم يفعل ذلك مع كتاب (في ظلال القرآن) ؟ روى الإمام أحمد قال النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ((الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي فِي ظِلِّ عَرْشِي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي)) وهو من الأحاديث القدسية، فنسب الله ظل العرش لنفسه لأنه خالق العرش وهو خالق ظلّه فيجوز لغة نسبة الشيء لصاحبه نسبة ملكية ولا تكون النسبة دائما نسبة صفة، لذلك يحمل الحديث المطلق الأول على الحديث المقيد الثاني كما هو قول جماهير أهل العلم، وذهب آخرون إلى أن الظل مخلوق هنا دون التطرق إلى تفاصيله أهو ظل العرش أم ظل مخلوق عموما دون ذكر تفاصيله، ولكن النقاش هنا عن نسبة لفظ الظل لله دون البحث في المعنى، فالمدخلي أنكر اللفظ نفسه ويلزمه إنكار اللفظ هنا أيضا.
3 _ عندما نتكلم عن القرآن فغالبية الأذهان قد تتجه إلى المصاحف المطبوعة وهذه مخلوقة ولها ظل، إنما القرآن غير المخلوق هو ما قاله الله عز وجل لجبريل عليه السلام وهو روح القرآن الذي يتلى ليوم القيامة أما الصفحات والحبر والأوراق وألفاظنا بالقرآن فهذه مخلوقة، ومع ذلك فليس معنى "في ظلال القرآن" أي في ظلال المصاحف وإنما هو تعبير معنوي يراد منه الاستمتاع ببدائع القرآن فوصفها بالظلال وكأنك في نزهة داخل ظلال بستان جميل أو جنة أو كناية عن الحماية من التيه والضلال إذ يعبر عن الظل بالحماية فيقال (أنت في ظل فلان) أي تحت حمايته والقرآن يحمي من الضلال والانحراف، ويشير إلى المعنى الأول الذي وصفته بظلال البستان أو الجنة قول سيد قطب نفسه في مقدمة كتابه [الصفحة 11]: ((الحياة في ظلال القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها)) قلت صهيب: سيأتي المدخلي العبقري ليقول (وهل الحياة طعام لنذوقها ؟) لا علينا، يواصل سيد قطب فيقول ((وعشت في ظلال القرآن أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود)) فهل يتكلم هنا عن ظلال معنوية أم حقيقية ؟
كتبه #صهيب_بوزيدي

