حوار مع مدخلي في زكاة الفطر
#ملاحظة_قبل_بدء_الحوار: هذا الحوار دار بيني وبين أحد المداخلة قديما ربما سنة 2013 ولذلك قد لا تسعفني الذاكرة لذِكره كما هو بالنص، وإنما ذكرتُ ما أتذكره منه، وقد أخلط بين ما استدللت به على نفس هذا الشخص وما استدللت به على غيره ممن يتبنى رأيه في حوار واحد وذلك لأني قمت بحوارات ميدانية لا تكاد تحصى مع المداخلة وغيرهم خاصة قبل انطلاقي في الرد عليهم على فايسبوك، والعبرة في النقاش ما أستدل به وليست القصة أو الرواية نفسها
#بداية_الحوار:
نشط جماعة من المداخلة الطيبين فجمعوا النقود من عند أصدقائهم في زكاة الفطر قالوا لهم سنشتريها طعاما ونوزعها على الفقراء فأخذوها قيمة من أصحابها ثم اشتروا بها طعاما ووزعوها على الفقراء والمحتاجين.
سألتهم آنذاك: هل يجوز أن تأخذوا زكاة الفطر مالا وأنتم تقولون بوجوب إخراجها طعاما ؟ فقالوا: إنما نأخذها مالا ثم نشتريها طعاما للفقير.
فقلت لهم: ألا يصح قياسا على فعلكم أن تعطوها للفقير مالا ثم توصونه بأن يشتريها طعاما ؟
قالوا: نخاف ألا ينفقها في الطعام
قلت: ألن تختاروا الفقير بعناية لتختاروا من يحتاج إلى الطعام ؟
قالوا: قد يكون هذا الفقير مديونا فيقضي بها دينه وقد يكون عاجزا عن تسديد فاتورة الكهرباء فيسددها وقد يكون محتاجا لوقود يملأ به دراجته النارية حتى يذهب بها إلى العمل وقد يكون محتاجا لمصاريف النقل (في الحافلات) ليذهب أولاده للمدرسة.
قلت لهم: ألستم تأخذون الزكاة مالا ثم تشترونها طعاما، فالذي يعطيكموها مالا ما الذي يضمن له ألا تتأثروا بموقف ذلك الفقير فتدخل الرحمة إلى قلوبكم فتعطوها له مالا ليقضي بها هذه الحاجيات التي ذكرتم بأنفسكم أنه قد يكون أحوج إليها من الطعام ؟ هل يمكنه الثقة في ألا تأخذكم العاطفة لدفعها قيمة ؟
قالوا: عليهم الظاهر والله يتولى السرائر فإن أخرجناها على غير ما أرادوا فقد عُذروا أمام الله
فقلت لهم: فكذلك إن أعطيتموها للفقير ثم أخرجها على غير ما أردتم له أفلا تكونون معذورين أمام الله ؟ إذ نيتكم أن يشتري بها طعاما كما كانت نية أصحابكم أن تشتروا بها طعاما فإن خالف ما أردتم كان كأن تخالفوا ما أرادوا.
قالوا: يجب أن نسأل العلماء لنتأكد.
قلت لهم: مِن العلماء من أجاز دفع الزكاة قيمة وهؤلاء (أبو ذر ومعاوية وسفيان الثوري وأبو حنيفة والبخاري وابن تيمية ورواية عن أحمد).
فقالوا: نأخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نأخذ بقول أبي حنيفة.
قلت: ماذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما اقترحته عليكم من إعطاء الفقير مالا ليشتريها طعاما ؟
قالوا: يجب أن نسأل العلماء.
قلت: من ستسألون ؟
قالوا: عندنا أخ على صلة وثيقة بالشيخ لزهر سنيقرة سنطلب منه أن يستفتيه لنا.
فقلت لهم: تركتم علماء الصحابة وسفيان الثوري والإمام الأعظم أبو حنيفة أول أئمة المذاهب الأربعة والإمام البخاري صاحب أصح كتاب بعد كتاب الله والإمام ابن تيمية الإمام الأول للسلفية وما رواه عن أحمد إمام الحنابلة وزعمتم أنكم تعملون بفقه الدليل وتأخذون من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة حتى إذا أدخلتُ عليكم إشكالا ترونه شبهة لم تستطيعوا لها ردا تركتم ما تبجحتم به (الأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم ورد كلام العلماء) لتلجؤوا لمثل سنيقرة ؟ ((أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)) ؟
قالوا: ومن العلماء الأوائل من قال بإخراجها طعاما أيضا.
قلت: قولوا إذًا إنا قلدنا هذا العالم ولم نقلد ذاك ويجوز لغيرنا أن يأخذ بقول العالم الآخر ولا يأخذ بقول من قلدنا ولا تقولوا (الرسول قال كذا والعالم الآخر خالف كلام الرسول) فلو سلمنا لكم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم إخراجها قيمة لما وقع الخلاف من أساسه، وإنما الخلاف أساسا في فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهل إخراجه لها طعاما يمنع من إخراجها قيمة ؟ فمعلوم أن هذا من الاستدلال بمفهوم اللقب من مفهوم المخالفة وهو ليس بحجة في أصول الفقه عند جل الأصوليين ولم يخالف فيه إلا الدقاق والصيرفي وجماعة من الأحناف والإباضية، وذلك لأن قولنا (جاء عمر) لا يلزم منه أن (عثمان لم يجئ) ولو قلما (أبو بكر الصديق خليفة راشد) فلا يلزم منه أنه لا خليفة راشد إلا هو فعمر بن الخطاب خليفة راشد أيضا وعدم ذكره في الجملة لا يعني إقصاءه، ولو أخذنا الأمر بالمنطق الذي تقولون به لما جاز لكم القياس على الأطعمة لتخرجوها على أطعمة لم ترد في الحديث فإن أجزتم لأنفسكم القياس والخروج عن أعيان الأطعمة إلى أطعمة أخرى فلماذا لا يجوز لغيركم القياس على الأطعمة بما يساوي قيمتها في غير الطعام ؟ كلهما قياسٌ للقيمة بالقيمة أما الأول فاخترتم أن تكون القيمة من جنس الطعام أما الثاني فقد اخترنا أن تكون القيمة من جنس المال، وذلك لأن الحكم المعلل يدور مع علته وجودا وعدما وعلة تشريع زكاة الفطر قول النبي صلى الله عليه وسلم ((أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)) وحتى ولو حكمتم على الحديث بالضعف فإن الحديث الضعيف إن لم يجد ما يباريه في الساحة من أدلة صحيحة كان الترجيح به أفضل من الترجيح بالرأي البشري المحض ولا يقال لمن اعتمد عليه (قد ابتدعت) إذ الحديث الضعيف يدل على وجود أصل له في الشريعة وهذا يُعمل به على الأقل في فضائل الأعمال أو عند الغياب المطلق للمرجح، ناهيك عن وجود أحاديث صحيحة كأخذ الزكاة ثيابا لقول أبي ذر (فإنها أسهل عليكم وأنفع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة) وغيرها من النصوص القوية، إضافة للنص العام في مطلق الزكاة ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)) فدلّ ذلك على أن علّية جنس الزكاة هي تطهير المال والأملاك، والطعام مال، والنقد مال، والثياب مال.
كما أن الإسلام ليس بالدين السطحي والتافه حتى يمنع الفقير مما هو أحوج إليه من الطعام ويجبره على تناول الشعير وعنده ما يحتاجه أكثر، الإسلام دين له مقاصد وحِكم، ولو جاءك ملحد يحاججك في زكاة الفطر على قولك وسألك (كيف يختار الله للفقير المفضول ويوجد ما هو أفضل له ؟) لما استطعت محاججته.
فقال: أنت تكثر من إعمال العقل في دين الله
ثم قلت له: لم أرك تزن الطعام بالصاع وإنما وزنته بميزان إلكتروني، أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال (صاع من كذا وكذا) فلماذا جعلت الصاع بوحدة الكيلو بميزان إلكتروني ؟ أليست هذه بدعة حسب طرحك، عليك أن تأتي بالصاع وتزن به.
قال: المهم قيمة الميزان ولا يهم ما جاء به اللفظ تحديدا
فقلت: بارك الله فيك، المهم قيمة الزكاة ولا يهم ما جاء به اللفظ تحديدا.
قال: لقد استضعفتنا لأنك تعلم أنك أقوى علما منا وحجة، فإن كنت شجاعا فناظر الشيخ فركوس في ذلك.
قلت له: قبلت المناظرة، فاذهب لشيخك واعرض عليه الأمر أيضا وقل له كما قلت لي بنفس اللفظ ((إن كنت شجاعا فناظر المبتدع الضال المضل صهيب بوزيدي)).
فقال: تعلم أنه لا يقبل المناظرة لذلك قبلتها
قلت له: ومادمتَ تعلم أنه لا يقبلها فلماذا تدعوني للمناظرة معه ؟ وكلامي ساري المفعول إلى يوم يقبض الله روحي، إن استطعت أن تأتي بمن تراه أعلم أهل الأرض عندك وليحضر معه عشرة آخرين يعززون قوله وليستعن بغوغل والشاملة وليكن الوقت مفتوحا يبحث كما شاء، فجئ به ليناظرني أو اعرض عليه حججي ليرد عليها وأنا أرد على رده وانظر بنفسك أيهما أقوى حجة وأهدى سبيلا.
قال: ألم تقل إن من العلماء غير المداخلة من يرون إخراج زكاة الفطر طعاما لا قيمة وشنعت علي أن شنعت على المخالفين فلماذا تتكلم بهذه اللهجة وكأن الأمر حق وباطل ؟
قلت: لم أشنع عليك اختيار إخراج الزكاة طعاما بل شنعت عليك طعنك في قول الأئمة الذين اختاروا إخراجها قيمة واتهامهم بمخالفة النص الصريح النبوي، ليتك قلت (المسألة خلافية والخلاف فيها سائغ والراجح عندي كذا وكذا) ولكنك تعرض الأمر على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال شيئا وأبو حنيفة وغيره من العلماء خالفوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم تقول هل نأخذ بكلام الرسول أم كلام أبي حنيفة ؟ فتوهم الناس أنك تقارن بين نبي حقيقي ومدعٍ للنبوة ولو أن قائلا بإخراجها قيمةً قال مثل قولك لشنعت عليه بمثل ما شنعت عليك به.
كتبه #صهيب_بوزيدي

