حوار بيني وبين نفسي في دور المؤمن والملحد في الفلسفة الأخلاقية
#سألني: هل الذي يمنعك عن الظلم هو الدين أم هو ضميرك ؟ فلو صرت ملحدا يوما ما هل ستصبح ظالما لأن الدين لم يعد مقيدا لك ؟
#فأجبته:
1 _ الذي يمنعني عن الظلم ليس الدين ولكنه الله عز وجل.
2 _ لو كنتُ ملحدا سأمتنع عن الظلم لأن الله عز وجل فطرني على كره الظلم.
#فقال:
1 _ كيف منعك الله مع تسليمك بإقصاء الدين جدلا فكيف سيمنعك الله عن الظلم إن لم تكن هناك رسالة يخاطبك من خلالها ؟
2 _ كيف تنسب الفطرة لله وأنت تفترض أنك ملحد ؟
#فقلت:
1 _ يمنعني الله بالفطرة وليس شرطا أن يكون من خلال التعاليم الدينية.
2 _ حتى ولو كنت ملحدا فإن فطرتي سيظل على الطبيعة التي فطرني عليها لأن إلحادي لن يلغي وجود الله وإنما الله موجود سواء آمنت به أم كفرت وإنما أؤمن لنفسي أو أكفر فعليها ولن يضر ذلك الله شيئا ولا يغير من الواقع شيئا.
فالله مثلا ليس هناك إله فوقه يحرم عليه الظلم ولا يوجد من يحاسبه إن ظلم ولكنه حرم الظلم على نفسه ولما كان الظلم محرما عنده وضع فينا فطرة كراهيته وجعل عقولنا تفكر بطريقة تستقبح الظلم بالقدر الذي فهّمنا أنه ظلم.
#فسألني:لماذا أضفت عبارة (بالقدر الذي فهمنا أنه ظلم)
#فكان_جوابي: لأننا لا نمارس العدل التام المطلق وإنما نمارس قدرا نسبيا من العدل فإن العدل التام صفة لله وإنما عدلنا ناقصٌ في المطلق فلذلك نقتل البعوض رغم أنه لا يقتلنا بل يسلبنا جزءا بسيطا من الدماء ونقتل البكتيريا بتنظيف أنفسنا رغم أنها لا تقتلنا ونقتل بعض المخلوقات التي ليست من جنسنا ولا نرى ذلك ظلما لأننا لم نهيء للعدل المطلق وإنما للعدالة النسبية.
#فرد_قائلا: أوليس الله عندك هو من يأمرك بأكل الأنعام وتنظيف نفسك (مما يعني قتل البكتيريا) وكذا يأمرك بقتل بعض الكائنات فلماذا ألقيت باللوم على نقصك وتركت صاحب الأمر الذي لو شاء لحرمه عليك فإن قلت لعله يريد التخفيف عنا وتكليفنا بقدر ما نطيقه من طبيعتنا الناقصة فلماذا يجعل بعض الشعائر مستحبة كأضحية العيد والعقيقة مما يعني أن الأمر غير مقتصر على رفع اللائمة وإنما يجعل ذلك مستحبا وكأنه يشجع عليه أفلا يتحمل مسؤولية الظلم من هذه الناحية ؟
#وكان_ردي: لم أقصد بنقصنا عدم تحملنا القدرة على العدل التام فحسب وإنما مقامنا لا يقتضي العدل التام أيضا فنحن عباد الله ومن العبادات تقديم القرابين بينما الله لا يضطر لتقديم تلك القرابين لإله آخر لأنه الإله الوحيد والكائن الأقوى، وقبل أن تقول (هذا لا يحل إشكال الأمر بالظلم) أقول: ليس ها هنا الحل وإنما هو توضيح معنى النقص البشري الذي يفرض عليها العدالة الناقصة وأزيد فأقول: لو تمكن الإنسان من تحقيق العدالة التامة لكانت شبهة ضدنا لأن اعتقادنا يقتضي نفي التماثل بين الخالق والمخلوق والتماثل عندي هو التواطؤ المطلق في أي صفة من الصفات فإن تحقق في صفة العدالة كأن يكون عدل الله تاما وعدل المخلوق تاما فإنه يورد شبهة عظيمة بل يكون ناقضا للمعتقد من جذوره، لذا فإنك قد ترى أفعالنا الناقصة في العدالة شبهة دينية وأراها جوابا عن شبهة أخطر منها وكذا لو سألت عن الصدق، ماذا لو حقق مخلوق ما الصدق التام ألا يكون مساويا للخالق في صفة الصدق ؟ أقول: لا يمكن للمخلوق تحقيق الصدق التام إذ كل مسلم يعتقد وجوب الكذب في بعض الحالات من بينها (تخيل أن عدوا كافرا يبحث عن مجاهد مسلم وأنت تعرف مكانه فسألك عنه فهل تدله عليه ؟ فإن قلت لا أعرف مكانه فقد كذبت وأنقذت المجاهد وإن صدقت ودللت عليه أثمت) فهذه الحالة قد لا يصادفها الإنسان طيلة حياته ويموت ولم يكذب كذبة قط ولكن مجرد اعتقاده بوجوب الكذب في هذه الحالة يعد نقصا في صفة الصدق عنده من جهة الكذب بالقوة (إمكانية الكذب) بينما الله لا يكذب لا بالقوة ولا بالفعل وذلك لأنه تام في سائر الصفات فليس هناك عدو يجبره على اختيار إحدى الشرين إما الكذب وإما فعل شر أكبر منه لأنه القوي التام، وكذلك الله لا يستحي من الحق لأنه خالق والكل عبد مملوك له فلا يجامل في الحق خلافا للعبد فقد يقع في مواقف محرجة ونحو ذلك، فإذا أمرنا الله بالكذب في حالات الضرورة هذه فليس لأن الله يأمرنا بفعل الشر وإنما لأنه السبيل الوحيد الذي يمكننا من تجنب الموقف فلا يحاسبنا عليه بل يأجرنا على هذا الكذب (في مثال العدو) ولكن ما الداعي أساسا له لولا ضعفنا ؟ فوجوب الكذب في هذه الحالة شرعا لا يعني أن الله يشجع الكذب وإنما لأننا ناقصون اضطررنا إليه وهو ما يشبه وجوب الأكل والشرب والتنفس فذلك لأننا إن امتنعنا عنها متنا وكان انتحارا ولا يلزم الله أن يأكل أو يشرب أو يتنفس وهنا نعود لموضوع الظلم فإننا عباد لله نحتاج إلى الأكل ومنه نحتاج القتل ولكن الله لا يحتاج ذلك فإن قلت إن النتيجة واحدة لما كره الله الظلم وسمح به أو أمر به قلتُ: ليست نفس النتيجة فلو لم يأذن به لظننا أننا آلهة في هذه الصفة على الأقل إذ لن يقع ظلم من أي إنسان وعندها سيستوي المخلوق مع الخالق في صفة العدل ولكن تمام العدالة في القضاء والقدر المتكامل حيث لا يضيع حق مظلوم حتى ولو كان بهيمة تذبح يوم العيد فإن الله يعوضه عن ذلك (وفي نظريتي للحيوات المتعددة) قد يكون موت تلك البهيمة بداية حياة جديدة أفضل لها من حياتها السابقة وقبل حياتنا هذه خضعت كل الأرواح لاختبارات وتخييرات بها تقرر مصير كل منها.
#فقال: لكن ليس كل المسلمين يؤمنون بنظريتك حول الحيوات المتعددة.
#فختمت_قائلا: إنك تناظر صهيب المسلم وهذا جوابه حسب اعتقاده فإن أردت رأي بقية المسلمين فسألهم عن جوابهم على شبهتك ولا تسألني فكل نفس بما كسبت رهسنة ولا يلزمني مذهب غيري كما لا يلزمك لو قلت لك (لكن غيرك من الملحدين يقولون كذا وكذا، ستقول لا يلزمني قولهم).
ثم لا تنس أنه يكفي ذكر الاحتمال المعارض لإبطال الشبهة فما تبنيه من سؤال يقوم على التسليم بيقينية (عدم وجود حياة قبل حياة تلك البهيمة أو بعدها) وهذا أيضا افتراض منك لا دليل عليه فإنك لم تشهد حالها قبل العدم ولا بعد موتها إلا الجانب الجسدي البيولوجي منها، أما روحها أين كانت وأين ذهبت فإنك لم تشهد ذلك.
والآن يأتي الدور عليك: أنت لا تؤمن لا بالإله ولا بالدين فبنظرك من أين جاءت فكرة الأخلاق من الأساس وما العقل عندك إلا تطور سمكري عشوائي لذرات وإلكترونات وبروتونات تتشكل على هيئة خلايا ؟ فمن أين جاءت الأفكار الأخلاقية علما أن المادة العنصرية البيولوجية لا ترتبط بالأخلاق فليس لها معادلة كيميائية تنشئها.
كتبه #صهيب_بوزيدي

