تناقض الإلحاد الحلقة الأولى

#التناقض_الأول: يقول الملحد (لا توجد حقيقة مطلقة) وفي نفس الوقت ينفي الملحد إمكانية وجود خوارق العادات.

معنى ذلك أنه يرى أن كل الحقائق مطلقة لا العكس ولذلك لا يستطيع تصور خرق العادة، فخرقها يجعلها حقيقة نسبية، في المقابل فإن الذي يفترض أن يعتقده الملحد هو أحد الأمرين:

إما أن يقول بإمكانية خرق العادات تناسقا مع تقرير نسبية كل الحقائق.

وإما أن يقول بعدم إمكانية خرق العادات ويتراجع عن مقولة "كل الحقائق نسبية" لأن الحقائق التي لا تُخرق هي المطلقة أما النسبية فتخرق، بل يجب أن تُخرق.

بينما نرى نحن المؤمنون أن الحقائق منها ما هو مطلق ومنها ما هو نسبي.

وهناك نقض إضافي للقاعدة سبق أن تطرقت إليه لكني أحاول شرحه وتبسيطه أكثر في هذا الموضع وهو نقض القاعدة من حيث أن مجرد نفي وجود الحقائق النسبية هو إقرار لوجود حقيقة مطلقة فنسبية كل الحقائق معناها أن 100% من الحقائق نسبية ونسبة 100% دلالة الإطلاق في نفس هذه القاعدة فعبارة (لا توجد حقيقة مطلقة) في حد ذاتها تثبت وجود الحقيقة المطلقة من وجهين:

الأول: أن تكون العبارة نفسها حقيقة مطلقة فهو المطلوب أو تكون نسبية فتكون نسبة من الحقائق غير مطلقة ونسبة منها مطلقة وفي كلتا الحالتين يقع المطلوب.

الثاني: أن الذي ينفي وجود الحقائق المطلقة لم يستقرئ كل الحقائق استقراءً تاما ليخرج بقاعدة مطلقة تحكم على كل الحقائق بالنسبة، فبمجرد اقتناع بإطلاق قانون معين ثم اكتشافه نسبية ذلك القانون بمعرفته لما ينقضه فإن ذلك لا يعني أن مصير كل القوانين التي لم يحقق فيها كمصير هذا القانون، ومهما ظن الإطلاق في أكبر عدد ممكن من الحقائق والقوانين ثم اكتشف ما يخرم ذلك فصارت عنده نسبية مم بعد إطلافها فإنه لا يكفي أن يكون دليلا على نسبية ما لم يستقرئه بعد من الحقائق، وهو أساسا نفى إمكانية وجود حقيقة مطلقة لعدم قدرته على استقراء كل الحقائق "رغم عدم وجود تلازم بين هذا وذاك، فقد تكون الحقيقة مطلقة لذاتها وإن لم نقدر على اكتشاف إطلاقها، ناهيك عن وجود حقائق نكتشف إطلاقها بالحكم على متعيناتها انطلاقا من قاعدتها الكلية، فمثلا لا يمكن وجود مثلث رباعي الأضلاع، فهذا الأمر لا نحتاج فيه إلى البحث والاستقراء لأننا لو اكتشفنا وجود شيء رباعي الأضلاع فإننا لن نسميه مثلثا عندها، فلن نحتاج للاستقراء، وكذلك فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان وهذا الحكم عقليٌّ وهو حكمٌ على الاكتشاف الحسي، لأن الحس يكشف الشيء ولا يحكم عليه وإنما يحكم عليه العقل، والعقل يأبى أن يحكم على الشيء بحكمين متناقضين لأن القضية الثانية المناقضة للأولى لا تعتبر نقيضة لها إلا إن كانت نافية ولاغية لها كأن نقول (أ موجود) ونقول (أ نفسه غير موجود) فالقضية الثانية ألغت الأولى وحكمت عليها بالخطأ أساسا فلا يمكن الجمع بين تصحيحها تصحيح الأولى عقلا وليس لأننا استقرأنا بعض الأشياء فوجدناها لا تتناقض، خلافا للملحد فحاله كحال من خالط عددا من البشر فوثق فيهم ثم خانوا ثقتهم به فصار يقول (لا يوجد إنسان موثوق) فكذلك جرب عدة حقائق ظنها مطلقة ثم اكتشف نسبيتها فصار يقول (لا توجد حقيقة مطلقة) بينما الحكم الأول والثاني كلاهما مبنيان على مغالطة عقلية وهي عدم تقسيم الحقائق إلى نسبية ومطلقة، وهي عدم إعمال قاعدة (ألا تزر وازرة وزر أخرى) فالقاعدة التي اكتشفنا نسبيتها لا يجب تعميمها على ما لم نكتشف فيه النسبية وكذلك من اكتشفنا عدم موثوقيته فلا يُسحب حكمه على الآخرين، والقول بعبارة (لا يوجد ثقة) جاء بعد أن كان صاحبها يعتقد مغالطة أخرى وهي (كل الناس ثقات) فلما اكتشف خطأه في الإطلاق أول مرة لجأ لنفس الخطأ في الجهة السالبة المقابلة فنفى الثقة عن الجميع بإطلاق كما أثبتها للجميع بإطلاق، وكذلك الملحد لما اعتقد الإطلاق في كل الحقائق ثم كشفت له ميكانيكا الكم أو غيرها نسبية بعض ما كان يعتقده مطلقا انلقب للنقيض فعاد على كل الحقائق ونفى عنها الإطلاق واستخرج من حيث لا يشهر حقيقة مطلقة في الجهة المقابلة فبعدما اعتقد أن كل الحقائق مطلقة صار يعتقد الإطلاق في نسبية كل الحقائق، أما نحن فنرى بعض الحقائق نسبية وبعضها مطلق وكل له حكمه فلا نعمم سلبا ولا إيجابا.

#تصنيف_المقال: [إبستمولوجي، عقائدي، منطقي] صيغ بأسلوب مزج بين الجدال والحِجاج من جهة، والشرح والتبسيط والمقارنة بين أطروحتين من جهة أخرى.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: الإلحاد والرد على الشبهات

الملحد على الطريقة المدخلية

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما تناقش الملحد العربي تحسّ أنك تناقش ملحدا بعقلية شخص مدخلي "ولكن فقط مع استبدال الأسماء والرموز والأفكار". 1 _ تناقش الملحد فيقول لك: قال العلماء،…

جوابا على اعتراض الملحد المصور أدناه

الإلحاد والرد على الشبهات

قبل الجواب أحب التنويه على أن مثل هذا السؤال الساذج والغبي من هذا الملحد المجهول ما كنت لألتفت إليه أو أعيره اهتماما لو صدر منه وحده ولكن سبق لي سماع هذا…

نظرية التطور لا تحل الإشكال الإلحادي

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما ينفي الملحد وجود الله وينفق في ذلك وقتا كبيرا في محاولة إثبات صحة نظرية التطور فإنه يشبه أن تسأل إيلون ماسك عن ثروته التي تبلغ ترليون دولار (من أين…