الرد على شبهة تقبلون الخلاف في الله ولا تقبلونه في البشر
يطرح #المداخلة_الجدد شبهة يتغنون بها كثيرا خاصة هذه الأيام، ولأني تعودت منهم على عدم طرح ما يرتقي لمستوى الشبهة أصلا فإن كلامهم هذا إذا ما قورن بما اعتادوا عليه يمكن تصنيفه شبهة تستحق الرد، فأحاول صياغة كلامهم في أقوى وأبهى صورة ثم أرد عليه.
#الشبهة: يقولون: كيف تقبلون الخلاف حول الله عز وجل وصفاته ولا تقبلون الخلاف في أشخاص الناس كأبي حنيفة والنووي وابن حجر وغيرهم من العلماء، فهل هؤلاء البشر عندكم أهم من الله ؟ هل يُسمح بالخطأ في حق الله ولا يُسمح بالخطأ في حق البشر ؟ أيهما أهم عندكم ؟
#قلت_صهيب: الجواب على هذه الشبهة من عدة أوجه:
1 - القياس هنا ليس في نفس العلة وإنما هو قياس في غير الكلية المتواطئ عليها وذلك لأن الخلاف حول الله يكون منطلقا من الاتفاق على حبه وإجلاله وتعظيمه مع الاختلاف في محاولة معرفة معلومات أكثر عنه فالخلاف ليس بين طاعن ومحب وإنما بين محب ومحب آخر يتسابقان في حبهما لربهما، أما الخلاف حول هذه الشخصيات فهو ليس خلافا حول معرفتها وفهمها وإنما هو خلاف بين طاعن ومحب.
2 - الشخصيات العظمى مثل أبي حنيفة وعلماء مذهبه إضافة لعلماء المذهب الشافعي والمالكي وبعض الحنابلة فضلا عن الظاهرية فهذه المذاهب بكل أفرادها ليس رموزها مجرد شخصيات جانبية وإنما هم مدارسٌ كاملة يلزم من إسقاطها ضياع الخير الكثير على المسلمين بل يلزم منه الانقطاع في استمرارية الحق من عصر النبوة إلى عصرنا هذا، إضافة إلى الاستغناء عن جهودهم في الفقه والتواريخ وحتى علم الحديث وكذلك التفاسير مما يعني أن إسقاطهم غير مقتصر على أشخاصهم إنما هو مضرٌّ بالعلوم الإسلامية نفسها، بينما الخلاف في صفات الله دون إسقاط أي طرف للطرف الآخر يدفع الناس للبحث أكثر في محاولة معرفة ربهم فينشغلون بذكره وتدبر آياته ثم ينطلق كل من فهم ما فهمه من ربه إلى الرد على شبهات غير المسلمين وحتى الوساوس الشيطانية التي تطرأ عليه، فيحصّل من العلوم في المنطق والابستمولوجيا والآنطولوجيا واللغة وأصول الفقه وعلوم الحديث حتى يتوسع أكثر في هذا البحث، أما بالأسلوب الإقصائي التكفيري المصحوب بالإرهاب الفكري والتشنيع والطعن في المخالف فإن الناس في أحسن الأحوال إما يكفون عن الخوض في هذه المواضيع من الأساس وإما سيحتارون في أمرهم فقد يخرجون من الإسلام بالكلية وإما أن يقلدوا أحد الأقوال رهبة من أصحابهم إذ أن المتطرفين في هذا الباب كما هم في الجانب السلفي متمثلين في المداخلة الجدد فكذلك في الجانب الأشعري يوجد الأحباش وأصحاب سعيد فودة وغيرهم من المتطرفين الذين يكفرون ويطعنون في مخالفيهم، كما أن هذا الأمر وجد قديما وعانى منه شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه حيث تعرض للسجن بسبب غلاة الأشاعرة آنذاك.
3 - قد علم الله أن أهل الكتاب يقولون فيه كلاما وصفه بقوله (( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا)) ومع ذلك قال فيهم أيضا ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)) فإن كان هذا موقف الله مع من قال فيه مثل تلك المقولة فكيف بمن كان مسلما أليس أولا بأن يُجادل بالتي هي أحسن ؟ كذلك أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا فقال ((اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى)) علق أحد رؤوس المداخلة الجدد على هذا الموضوع قائلا (أيهما أهم: الخلاف في صفات الله أم الخلاف في طريقة الدعوة ؟) والجواب: إن الخلاف في الصفات المقرون بحسن النية وتصديق القرآن لا يترتب عليه إثم عند الله وذلك لأن من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ولم يكلف الله عباده بأن يصيبوا الإجابة الصحيحة في فهمهم للقرآن وإنما كلفهم بالإيمان به، لذلك لما اختلف الصحابة في فهم أمر رسول الله لهم (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) لم ينكر صلى الله عليه وسلم على أي منهما لأنه علم أن المطلوب وقع وهو الاستجابة للأمر، أما فهم الأمر فهذا قد يخطئ فيه العبد مع حسن النية والقصد وهنا ينبغي للمداخلة الجدد أن يراجعوا تصورهم عن عدل الله ورحمته والغاية من رسالته من أساسها.
4 - كما أعذر من أخطأ فهم الدين في صفات الله فإني أعذر من أخطأ فهم الدين في هذا الموضوع ولكن الخطأ مع الله يجعل العبد بينه وبين الله أما الخطأ في ظلم البشر فإنه يدخل في الموضوع طرف آخر وهو البشري المظلوم، وهنا يكون الخطأ في حق الله أسهل على العبد من الخطأ في حق البشر لأن الأول يغفره الله إن شاء والثاني يكون البشري المظلوم هو الخصم يوم القيامة، بل حتى الشرك الصريح والردة عن الإسلام رغم كون ذنبها أعظم من القتل إلا أن التوبة منها أسهل من التوبة من القتل، فالذي كفر إن تاب فكل ما يحتاج فعله هو الاغتسال والنطق بالشهادتين والاستغفار بينما القاتل تلزمه الدية والقصاص منه حتى وإن تاب وندم ما لم يسامحه أهل الفقيد، فلننظر إلى الحكم الإلهي في العقاب الدنيوي فضلا عن الأخروي فعلى منطق المداخلة الجدد يمكن لمعترض أن يقول [كيف تسهل التوبة من الكفر وهو ظلم في حق الله بينما تصعب في حق ظلم البشر فهل البشر أهم من الله ؟] الجواب: لا وإنما الله أعدل وأرحم من البشر والخطأ مع الرحيم العفو الغفور أدعى للبشرى من الخطأ مع الأقل رحمة وعفوا، هذا في الأخطاء المتعمدة الواضحة فكيف بالاجتهاد الذي يراد منه البحث عن الحق.
كتبه #صهيب_بوزيدي
