إلزام المخالف بما يلتزمه من بديهيات المناظرة

من قواعد المناظرة ألا تلزم مخالفك بما لا يعتمده إلا إن ناقشته في أصل اعتماده.

كثير من المعترضين على أقوالي لا يعملون بهذه القاعدة معي مع الأسف مما يعني أني أتعامل مع أناسٍ من مستوى (الأولى ابتدائي في علم المناظرة).

كنت قد فتحت قديما مجموعة خاصة سميتها أكاديمية المناظر أعلم فيها عدد من المناظرين قواعد المناظرة والإلزامات وكنت ألعب معهم دول المخالف ودور المؤيد في كل مسألة فتارة أتبنى رأي الشيعي أو الملحد أو الرواقي وتارة يتبنى أحدهم هذا الدور فأناظر عن رأيي وتارة يتبنى أحدنا موقف عالم معين فيلتزم الدفاع وفق منهجيته دون الخروج عنها وهكذا بلعب هذه الأدوار يكون التمرين تطبيقيا.

من البديهيات في الحوار ألا تلزم مخالفك بما لا يعتقده وإلا فما الحاجة للحوار ؟

هناك من يحاورك فقط ليبين لجماعته حقيقة رأيك وذلك في الحقيقة ليس له معنى لأن حسابي مفتوح ومن غير الحاجة لأي محاور فحقيقة رأيي معروضة وواضحة.

الحاجة للمحاور تكون في مناقشة رأيك أو إثبات رأيه بالأدلا الملزمة لمحاوره فكلما اختلفتما في المقدمات نزلتما لمناقشة المقدمة التي تحتها حتى تنطلقا من مقدمة واحدة.

هل تقبل أن تحاور نصرانيا ويلزمك بالكتاب المقدس ؟ هل تقبل أن تحاور شيعيا ويلزمك بكتاب الكافي للكليني ؟ هل تقبل أن تناظر دا.عشيا ويلزمك بكلام البغدادي ؟ هل تقبل أن تناظر مدخليا ويلزمك بكلام ربيع المدخلي ؟ هل يقبل الملحد أن يناظر مسلما ويلزمه بالقرآن نقلا ؟ هل يقبل الظاهري أن تلزمه بالمذهب المالكي ؟ هل يقبل الأشعري أن تلزمه بابن تيمية ؟ وهل يقبل السلفي أن تلزمه بالفخر الرازي ؟ وهل يقبل الزيدي أن تلزمه بالإسماعيلي ؟

كذلك أنا صهيب لا أقبل أن تلزمني بغير ما ألتزم به، فإن قلتُ هذا لا يزلمني فمن حقك أن تذهب للقاعدة التي لا أريد الالتزام بها لتصبح هي محل البحث إن لم يكن لك طريقٌ غيرها.

مثلا: يقول المحاور: أ7 قضية صحيحة والدليل عليها أ6 (أي المقدمة التي تسبقها).

فأقول له لا أسلّم بأن (أ6) صحيحة أصلا لتتخذها دليلا على (أ7) أو أقول قاعدتك صحيحة ولكنها (ب18) وليست (أ6) بمعنى أنها قاعدة صحيحة لكنها لا تصلح مقدمة للقاعدة (أ7) لأن التلازم بينهما منتفٍ وأبين انتفاء التلازم أو أطالبه ببيان وجه التلازم فهل هو تلازم من جهة التمثيل أم الاستقراء أم القياس أم البرهان بالنقيض أو بعكس النقيض أو بالعكس المستوي ؟ هل هو استدلال نقلي من رتبة النص أم الظاهر أم المؤول ؟ أم أنه استدلال حسي فهل المدرك بالحس عين الشيء المتنازع عليه أم مثله ونظيره ؟ وهل هو مثله متواطؤ معه تواطؤا خاصا فعلا أم يشبهه فحسب متواطؤ معه تواطؤ المشكك ؟ وبهذا يكون النقاش.

أما أن تأتي دون معرفة أصول محاورك فتقول له (هل يعقل أن فلانا لم ينتبه لهذه وانتبهت لها أنت ؟ ماذا تحسب نفسك ؟) فهذا يجعلني شخصيا أراه دون مستوى الحوار.

وذلك لأني سأقول له ببساطة: أؤمن بالقرآن والله أمرني بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم فأنا أطيعه إن تيقنت أن الكلام كلامه وما نقل عن النبي نوعان إما متواتر مقطوع بثبوته فهذا ألتزمه إن تأكدت من تواتره بنفسي أو برهنه لي المحاور وفق أصول علم الحديث بأن يثبت التواتر في كل طبقات الرواية وإما أن يكون آحادا فالأصل أنه يفيد غلبة الظن لأسباب كثيرة ذكرها المحدثون وذكرت منها الكثير ويمكنني إعادة ذكرها في الحوار فإن عارض الظني عندي المتواتر رددته وإن لم يعارضه أخذت به على أنه يفيد الظن.

نأتي لموضوع الإجماع: أقول: لقد أمرني الله بطاعة رسوله وذكر ما يشير إلى أن المؤمنين في الدين إن قالوا قولا واحدا جميعا فهو القول الحق وهنا نأتي لتحليل هذا الكلام:

1 _ لم يرد في النص أن قول المؤمنين جميعا محصور في عصر واحد دون سائر العصور (قد يكون المقصود به كل المؤمنين إلى يوم القيامة).

2 _ قد يقال فما فائدة جعل هذا مصدرا للتشريع إن لم نتحقق من ثبوت ذلك عن كل المؤمنين ؟ قلت: والله لم يقل لنا اتخذوه مصدرا للتشريع وإنما أخبرنا عن حقيقةٍ واقعها لن يتحقق إلا بما وردت فيه نصوص يقينية فمعنى (ويتبع غير سبيل المؤمنين) تابعة لقوله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) أي من بعدما ثبت له أن الرسول قاله (للمسلم) ومن بعد ما تبين له أن ما قاله الرسول هو الهدى (لغير المسلم قبل دخوله في الإسلام) ومعنى ذلك أن اتباع غير سبيل المؤمنين المقصود هو اتباع سبيل الكافرين أي عدم الإيمان بالكلية لأن الله لم يقل (أو يتبع غير سبيل المؤمنين) وإنما قال (ويتبع غير سبيل المؤمنين) أي أن المقصود هو من يفعل الأمرين معا (مشاققة الرسول من بعدما تبين له الهدى + اتباع غير سبيل المؤمنين) وهذا لا يكون إلا في الكافر.

3 _ قد يقال: لكن الأمة أجمعت على أن الإجماع مصدر للتشريع. أقول: هذا يسمى الاستدلال بالدور أي أن الدليل على حجية الإجماع هو إجماع الأمة والدليل وجوب الاحتجاج بإجماع الأمة هو القول بحجية الإجماع، وذلك يشبه أن تقول (فلان صادق والدليل على صدقه أن الفلان نفسه أنا صادق).

4 _ قد يقال: هل يعقل أن تخفى معلومة على كل الأمة الإسلامية خلال قرون ثم تظهر لك ؟ أقول: هذه شخصنة والأصح أن تسأل (هل تخفى معلومة على كل الأمة ثم تظهر واحد من الأمة جاء بعد قرون ؟) الجواب: إن كان خارج الدين فهذا معلوم ويجب أن نتفق عليه فكل الأمة خلال قرون خفي عليها أن السلاح النووي أفضل من السيف في الجهاد ولكنهم كانوا يستعملون السيف وكذلك المراكب وغيرها فهذا قد يخفى على الأمة جميعا ثم ينتبه له من هو خارج عن الأمة أصلا.

أما فيما يتعلق بالدين فكيف نتأكد من معلومة (هذه خفيت عن كل الأمة) ونحن لم نسمع آراء الأمة كلها في كل معلومة ؟

5 _ قد يقال: نقصد بالأمة العلماء، فأقول: هذا لم تدل عليه الآية (ويتبع غير سبيل المؤمنين) والحديث (لا تجتمع أمتي على ضلالة) فمن أين قيدتم النص بالعلماء ؟

6 _ قد يقال: ذلك لأن العالم هو الذي يفتي وأما العامي فيقلد فكيف يكون له رأي ؟

أقول: هذا رأي من عندكم وليس نصا شرعيا فإن فتحتم بابا للرأي فلماذا تغلقون علي باب الرأي وتدعون الاستدلال بالنقل ثم ترجعون للرأي ؟ هل يفتح لي باب الرأي أيضا ؟ طيب تفضلوا:

7 _ أقول: الناس على مستويات عديدة من العلم بالشريعة فليسوا إما عالمٌ يعلم كل الشريعة بنسبة 100% لا يخطئ في شيء منها وإما جاهل بكل شيء من الشريعة لا يعلم شيئا عنها وإنما هناك من نسبة علمه 1% وهناك 2% و20% و40% و50% و70% و95% وهكذا وبما أن ذلك كذلك فقد تكون المعلومة الصحيحة عند ذاك الذي يملك 20% وتكون المعلومة خاطئة عند ذاك الذي يعلم 95% فتكون من 5% التي جهلها.

ومثال ذلك أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم مسألة التيمم للجنابة وهو أمير المؤمنين وعلمها له صحابي شهدها معه إلا أن عمر نسيها، وهذا أمثلته لا تعد ولا تحصى فهل يقال لذاك الصحابي (ويحك أتخفى هذه عن عمر وتعلمها أنت ؟ لكن عمر قبلها منه لأنه لم يكن يتمشى بهذه القاعدة) وروي عن عمر أنه ضرب بعض الصحابة لأجل منكر رآه منهم وقالوا له رأينا النبي يفعل كذا أو يصلي هكذا وصدقهم وأخذ بقولهم.

8 _ هناك من هو عالمٌ لكثرة اطلاعه وموسوعيته ويوجد من يركز على مسألة واحدة ينكب عليها 10 سنوات مثلا لا يتقن غيرها فتجده جاهلا في جل المسائل إلا هذه وأحيانا يتخصص الإنسان في مجال دون مجال.

9 _ أحيانا يكون هناك من علمه الحقيقي يساوي مثلا 98% ولكن الناس يقيمون علمه على أنه مساو مثلا ل 50% وفي المقابل يكون علم شخص آخر مساويا ل 20% والناس يعتبرون علمه مساويا ل 99% فيرفعون الأقل علما ويضعون الأعلم بجهلهم إما بالعلم نفسه وإما بحال كل منهما.

10 _ ما هي النسبة التي يجب أن يتجاوزها صاحب العلم ليصبح عالما وهل هناك مقياس لهذه النسب بدقة حتى نرجع له عند الاختلاف ؟

11 _ كثيرا ما يكون لعدد من العلماء رأي هو الحق لكن الحاكم قد يعمل على سجنهم وإسكات من تبقى منهم أو قتلهم خاصة في العصور القديمة فيظهر للناس فيما بعد أن الإجماع انعقد على مسألة والحقيقة أن السيف هو الذي أظهر ما أراد وأخفى ما أراد.

والأمثلة في هذا كثيرة جدا لكني أسأل العاقل سؤالا: من المنطقي أن المسائل كلما كانت أظهر وأوضح كلما اتفق عليها الناس فهل يمكن أن يختلف الناس في كثير من المسائل التي نراها واضحة ثم يتفقوا ويجمعوا على مسائل يعجزون عن البرهان عليها بأدلتها إلا بالاعتماد على الإجماع ؟ فإن كانت أدلتها ظاهرة يقينية لدرجة إجماع المسلمين عليها فالأولى الاستدلال بها مباشرة وإن لم يكن عليها أدلة يقينية وعلم فيها المخالفون في عصرنا فكيف نزعم تحقق الإجماع في عصور لم نشهدها ولا نحن استقرأنا آراء أصحابها جميعا ؟ والسؤال: ما هو الدليل الواضح الذي اعتمد عليه كل هؤلاء حتى أجمعوا على القول ؟ ما هو مستند الإجماع ؟

فعندما يُعلم عني طرح هذا الموضوع أصوليا وإبستمولوجيا وبسطه ومناقشته عشرات المرات ثم يأتي شخص في مسألة ما وينقل لي 4 نقولات ويقول (أجمعت الأمة فالتزم) فما الذي يتوقعه مني مثلا ؟ هل يحسب أنه أقام علي الحجة وأفحمني ؟ قد ينجح بذلك مع من يرى نفس رأيه في موضوع الإجماع ويعجز مثله عن مناقشته أصوليا ومعرفيا ولكنه عند من فهم أصول المناظرة يعلم أن حاله كحال مدخلي ألزم إخوانيا بكلام ربيع المدخلي وظن أنه أفحمه، نعم ربما يكون قد أفحمه في نظر المداخلة أصحابه لكنه في نظر العقلاء يخرف.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

بين الفلسفة والتفلسيف

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

الفلسفة نوعان: الفلسفة الحقيقية: وهي البحث في الموجودات والمعارف والأخلاقيات والعقليات بحثا متجردا ينطلق من طرح الأسئلة بحثا عن أجوبتها القطعية أو الظنية…

اقتباسات حوارية في مسائل وجودية

المنطق والفلسفة والإبستمولوجيا

قبل أيام في تيكتوك دخلتُ بثوثا وإذا بعدد من المحاورين المخالفين حاوروني وتداخلت أدوارهم فأحببت تجريد بعض أسئلتهم وردودي عليها سريعا والترتيب ليس بترتيب…